ابراهيم عبدالعزيز صهد

***

كانت الأوساط الشعبية في ليبيا في حالة غليان نظرا لتأخر البت في مصير البلاد كل هذه السنوات، علاوة على الإخفاق في توحيد الجهود في مسعى مستمر لإبراز رغبات أهل البلاد.

وكانت مساع حثيثة قد بدأت لتوحيد المواقف غير أن هذه المساعي قد باءت بالفشل.

وكانت قصة هذه المساعي قد بدأت في يونيو 1946 عندما وصل إلى القاهرة وفد يمثل الجبهة الوطنية المتحدة يتكون من السادة محمود المنتصر وطاهر المريض للاتصال بالسيد محمد إدريس السنوسي وتقديم منهاج للعمل الموحد يتكون من ثلاث نقاط:

ـ رفض أي استقلال أو وصاية تتقدم بها الدول الكبرى لأي من المنطقتين (برقة وطرابلس) دون اعتبار وجهة نظر سكان المنطقة الأخرى.

ـ اقتصار الإمارة السنوسية على شخص السيد إدريس لا أن تكون وراثية في أسرته.

ـ شكل الحكومة يجب أن يكون برلمانيا دستوريا.

وقد رد السيد إدريس برسالة بتاريخ 14 يونيو 1946 موجهة إلى الجبهة موافقا على هذه المقترحات من حيث المبدأ، ومؤكدا على أن الحكم يجب أن يكون دستوريا، وأن تتفق الأمة على هيئة تأسيسية تسن الدستور، وأن موضوع ولاية العهد واختيار العاصمة هو من اختصاص المجلس النيابي الذي تختاره الأمة، وحث على تنفيذ الاقتراح الخاص بتكوين هيئة مشتركة لتوحيد الجهود.

على أثر ذلك جرت مباحثات في بنغازي بين وفدين، أحدهما يمثل الجبهة الوطنية (الطرابلسية)، والآخر يمثل الجبهة الوطنية (البرقاوية). وقد خيم على ذلك الاجتماع كل الإسقاطات والتراكمات الماضية والتي زعزعت ثقة كل جانب في الطرف الآخر.

لم يتمكن المتفاوضون من الوصول إلى اتفاق بالرغم من أن وجه الخلاف كان ضئيلا ولكنه بدأ في الاتساع، ولم تفلح مساعي التوفيق التي بذلت.

وكانت تلك فرصة ذهبية ضاعت للاتفاق، وكان توحيد الكلمة هاما في هذه المرحلة بالذات خاصة وأن الخلافات بين الأحزاب والتيارات قائمة على أشدها في منطقة طرابلس.

عند انعقاد مؤتمر وزراء خارجية الدول الكبرى، أرسل السيد إدريس السنوسي مذكرة إلى أمين عام جامعة الدول العربية يحثه فيها على عرض قضية ليبيا على مجلس الجامعة “لاتخاذ قرار حاسم لمساعدة ليبيا ماديا وأدبيا…. لتتمكن البلاد من شرح قضيتها في مؤتمر وزراء خارجية الدول الأربع العظمى المنعقد الآن بموسكو وأمام اللجنة الدولية المراد إرسالها إلى ليبيا”.

كانت هذه المذكرة امتدادا للمحاولة التي بذلها السيد إدريس كي تقبل الجامعة بممثلين عن الشعب الليبي، وكان يريد من ذلك أن يعبّر الليبيون أنفسهم عن مطالبهم بدلا من أن يقوم بذلك طرف آخر.

وقد كان إدراك السيد إدريس للأوضاع في ليبيا وللحالة الدولية محفزا له كي يوحد الأمة خلف رأي واحد يمكن به مواجهة لجان التحقيق. وقد سبق للسيد إدريس أن وحد الأحزاب السياسية والجمعيات في برقة في هيئة واحدة هي “المؤتمر الوطني” الذي تم تشكيله في يناير 1948، ولكنه كان –  شأنه في ذلك شأن كل الليبيين – قلقا من الخلاف القائم بين الأحزاب والجمعيات في منطقة طرابلس، وكذلك من عدم الوصول إلى اتفاق شامل بين مناطق ليبيا الثلاث حول مستقبل البلاد.

ولقد شارك السيد إدريس في هذا التوجه عدد من زعماء طرابلس اجتمعوا في القاهرة وشكلوا “هيئة تحرير ليبيا” مؤلفة من السادة بشير السعداوي، وطاهر المريض، ومنصور بن قدارة، وأحمد السويحلي، ومحمود المنتصر، وجواد بن زكري.

وقد أذاع الأمين العام للجامعة العربية بيانا قال فيه: “إن الغرض الأصيل من  تأسيس هذه الهيئة أن تستطيع إزالة أسباب الخلاف بين الأحزاب السياسية في طرابلس الغرب، وأن تجمع كلمة الطرابلسيين أمام لجان التحقيق المنتظرة حول مطلبي الوحدة والاستقلال”.

أما في فزان، فبالرغم من تشديد الخناق على الأهالي من قبل السلطات الفرنسية، إلا أن عددا من النشطاء السياسيين ألفوا جمعية سرية ترأسها الشيخ عبد الرحمن البركولي، وكانت على صلة وثيقة مع السيد أحمد سيف النصر. وقد أقام هؤلاء الزعماء صلات وثيقة مع السيد إدريس من ناحية ومع بعض زعماء منطقة طرابلس.

وهكذا أصبحت البلاد مستعدة لاستقبال لجنة التحقيق بوضعية أفضل مما كانت عليه في السابق، وإن لم تبلغ درجة التوحيد الكاملة.

ففي برقة، كان المؤتمر الوطني قد عمل على توحيد الجماهير وحشدها حول المطالب الثلاث التي أجمعت عليها برقة وهي:

ـ الاستقلال

ـ الوحدة

ـ الإمارة السنوسية

وفي طرابلس، قامت هيئة التحرير بتوجيه الأحزاب السياسية إلى المطالبة بالاستقلال والوحدة، وبالرغم مما كان بين زعماء الأحزاب من منافسة إلا أنها ظهرت وكأنها جبهة موحدة.

وفي فزان تمكنت الشخصيات القيادية في المنطقة –لا سيما آل سيف النصرمن توجيه الجماهير وجهة المطالبة بالاستقلال والوحدة وإمارة السيد إدريس السنوسي.

وقد كانت ليبيا في ذلك الوقت تمور بالتوقعات والاستعدادات لإظهار الرأي الوطني أمام لجنة التحقيق الرباعية التي كان قد تقرر إيفادها إلى البلاد.

يتبع في الجزء التالي

________

(كتبت هذه المقالة عام 1990 ونُشرت في مجلة الإنقاذ)