علاقة المجتمع المدني بالتحول الديمقراطي يشوبها الكثير من المثالية لدى الكثير من النشطاء. فميلاد الديمقراطية المثالية هي أقدم بعشرات القرون من فكرة المجتمع المدني في الدولة الحديثة.

تطورت العلاقة بين المجتمع المدني والديمقراطية حديثا، عندما كان من الضروري للخروج من حالة الحروب العالمية المدمرة أن يتنازل المجتمع المدني عن جميع حقوق المواطنة لصالح الحاكم الأوحد أو الحزب الأوحد، وتطورت العلاقة فيما بعد مع صمت المدافع، وتوافقت النخب الحاكمة على الحاجة إلى الاستقرار وإعادة بناء الدول، وحينها أصبح للسوق دور أكبر في الحياة السياسية، وزادت معه أهمية المجتمع المدني وخاصة مع انتشار ظاهرة المنظمات المدنية والمؤسسات الأهلية الشعبية التي تميزت عن المجتمع السياسي الرسمي الذي تمثلة النخب الحاكمة.

فمن الناحية النظرية المثالية، الديمقراطية غايتها تحقيق المساواة في الممارسة السياسية، والمجتمع المدني غايته تمكين الأفراد من الحريات العامة والحقوق الأساسية بما يضمن لهم تقرير مصيرهم. وبالتالي، يمكننا أن نتفق على مقولة لا وجود للمجتمع المدني بدون الديمقراطية، ولا تتحقق الديمقراطية بدون المجتمع المدني”.

ولكن كيف يكون هذا التزاوج بين المجتمع المدني والديمقراطية؟.

في الواقع المعاصر نجد أن الديمقراطية المثالية ليست موجودة في النظام السياسي الحديث. ونكتشف أن علاقات بعض مؤسسات المجتمع المدني تضع التجربة كلها في خانة الشبهة بتبعيتها للأطراف الخارجية.

تجربة المشاركة السياسية على مستوى بعض الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني تبدو أنها تكريس لدور الأقلية السياسية في احتكار الحياة العامة، خاصة في حالة تنامي علاقتها بالمال الفاسد، حيث أصبح النظام السياسي بأيدي فئة نخبوية، وصار التداول السلمي على السلطة والمشاركة فيها هو نوع من أستبداد الأقلية التي أفرزتها المحاصصة القبلية والجهوية والمناطقية.

إذن يمكننا القول بأن التجربة حتى الآن تدفع في اتجاه ما يمكن وصفه بـ ديمقراطية أرستقراطية ـ كلبتوقراطية، كناية عن نظام تقوم فيه نخبةٌ فاسدة بالتوافق على محاصصة متخلّفة، تضع نماذج فاسدة تُمَثِّلها في دوائر صنع القرار وتخترق بها مؤسسات الدولة للتحكم باسم الأغلبية الصامتة (الشعب).

الدولة الليبية الريعية، تحرص على إبراز مظاهر سطحية وشكلية للدولة الرأسمالية، وبالتالي جعلت من مهامها، مضاعفة قدرة السوق السوداء ومكنت المال الفاسد الوسخمن التحكم في أدوات الإعلام المبيوعةوالدعاية الرخيصة الشهوانيةوصناعة الأراء المضللة، فسيطر سلطان المال على الحياة السياسية وروّضها لكي تفرز نظام سياسي ظاهره شعارات ديمقراطية وباطنه سيطرة أقلية عائلية وجهوية وقبلية. بل أنها جعلت سيادة المال الفاسد فوق سيادة الدولة وسيادة الشعب.

لا شك أن مرحلة التحول الديمقراطي التي نخوض غمارها منذ ثورة فبراير، هي في أمس الحاجة، بالإضافة إلى أحزاب سياسية واعية وفاعلة، تحتاج إلى مُجتمع مدنيٌّ فاعلٌ يمارس حقه في تقريرِ مصيره وتشريعِ قانونه وحراسته من سطوة المال الفاسد والسُّلطَ الفاقدة للشرعية والمشروعية.

إن فاعليّة هذا المجتمع المدني لا تُلغي الدّولَة ومؤسّساتها ولا تزيح الأحزاب السياسية النخبوية من الساحة السياسية، بل تقوم على التأثير والوساطة بين قاعدة المُجتمع ومؤسساته. وهكذا تتحقّقُ ديمقراطيةٌ واقعية صاعدةٌ في الدولة والمُجتمع وتكون مؤثّرةٌ في مَجْريات السياسة، وتضمن ممارسة فعلية لحقوق المواطنة، كما تضع حد لـ خديعةالتمثيل السّياسِيّ التي ترسخ المحاصصة القبلية والجهوية والأيديولوجية.

إذا نجحت التجربة الليبية الناشئة، عندها يصبح المجتمع المدني ساحة بين المجتمع والدولة، وبين الشعب والنخب السياسية، وبالتالي تتمكن التجربة من تجسيد سيادة الشعب، من دون إسقاط سيادة الدولة.

_________________