أبوبكر مهدية

ثالثا التداول السلمي للسلطة

من أبرز آليات الديمقراطية التداول السلمي على السلطة التي تحدث عادة من خلال التصويت والحصول على أغلبية أصوات الناخبين. حيث لا تكون حكرا على فرد أو حزب معين على حساب مصالح الشعب، وإنما يتم تداول السلطة وفقًا لأحكام الدستور والذي يعد السلطة العليا، ولا تعلوها أية سلطة أخرى وهو الناظم والمرجعية عند حدوث أي خلل او تجاوز.

والمقصود بالتداول السلمي على السلطة، هو عدم جعل الحكم في قبضة شخص واحد ، أي التعاقب الدوري للحكام في ظل انتخابات حرة ، وبذلك سوف يمارس هؤلاء الحكام المنتخبون اختصاصاتهم الدستورية لفترات محددة سلفاً ، وبهذا سوف لن يتغير اسم الدولة ولا يتبدل دستورها ولا شخصيتها الاعتبارية بتغيير الحكام والأحزاب الحاكمة.

وبهذا فإن السلطة هي اختصاص يتم ممارسته من قبل الحاكم بتخويل من الناخبين وفق أحكام الدستور، أي أن السلطة ليس حكرا على أحد ، وإنما يتم تداول السلطة وفقاً لأحكام الدستور الذي يعتبر السلطة الذي لا تعلوه سلطة أخرى .

يتضح مما تقدم ان مبدأ التداول السلمي على السلطة من قبل الأحزاب والحركات السياسية يعتبر من أبرز آليات الممارسة الديمقراطية ، فمن غير الممكن الحديث عن قيام دولة ديمقراطية ما لم يكن هناك إيمان واعتراف بمبدأ التداول السلمي على السلطة من خلال تبادل الحركات والأحزاب لمواقع الحكم داخل الدولة وهذا يعني إن السلطة السياسية لم تعد حكراً على أحد أو لحساب حزب معين أو جهة معينة على حساب مصلحة الآخرين، وإنما السلطة يتم إدارتها من قبل الأحزاب والحركات السياسية التي تحصل على الأغلبية من أصوات الناخبين أثناء العملية الانتخابية.

ولهذا فإن مبدأ التداول السلمي على السلطة قائم على أساس المنافسة الحرة مابين القوى السياسيةحيث تصير المنافسة وفقاً للأحكام الدستورية والقانونية، دون الخروج عنها، لأن الخروج عنها يعني الخروج عن القانون والنظام، ومن ثم الخروج عن الديمقراطية بل مفاهيمها.

لذلك فالتداول السلمي على السلطة، يعني الاعتراف بشرعية النظام السياسي من قبل الشعب ومزاولة ذلك النظام لأعماله الدستورية وفقاً للقانون، وهذا الأمر بحد ذاتهِ يعتبر ترسيخ لأسس وقواعد الوحدة الوطنية،

لأن الشعب بكل طوائفه، أغلبية وأقلية ممثلاً في هذه السلطة وحقهُ مصان وفقاً لأحكام الدستور، وبهذا يصبح جميع أفراد المجتمع ينتمون بقوة إلى المجتمع، ويشاركون بصورة فعاله في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويتمتعون بنصيب عادل من عوائدها، وبالتالي فإن ذلك سوف ينعكس بشكل إيجابي على أمن واستقرار البلد، وذلك لأن مسألة تداول السلطة ومشاركة الجميع فيها، ومن خلال قنواتها المعروفة، سوف يحقق نوع من الإجماع السياسي، الذي يعتبر أساساً لبناء وتحقيق الديمقراطية.


رابعا حماية واحترام حقوق الإنسان : 

والمقصود هنا الاجراءات التي يعمل بها على المستوى الدولي والوطني، لبيان مدى الالتزام بحقوق الإنسان ، وكشف الانتهاكات ضد الأفراد والجماعات، واحالتها للقضاء للفصل فيها ، ولذلك لا بد عن وجود ضمانات وأدوات ووسائل للتعاطي معها ولحمايتها.

إن مسألة حقوق الإنسان والاعتراف بها من قبل الدساتير والتشريعات الداخلية في الدولة أو في الاتفاقات الدولية والإقليمية لم يتحقق لها الاحترام والفاعلية المطلوبة ما لم يكن هناك ضمانات تعمل على حمايتها، والمقصود هنا بالضمانات الوسائل والأساليب المتنوعة التي يمكن بواسطتها حماية الحقوق والحريات من أن يعتدى عليها ويقصد بحماية حقوق الإنسان مجموعة الإجراءات التي تتخذ على الصعيد الدولي والإقليمي وعلى الصعيد الوطني من قبل الجهات المختصة في بلداً ما ببيان مدى التزام سلطات هذا البلد بحقوق الإنسان والكشف عن الانتهاكات المرتكبة ووضع المقترحات لوقف هذه الانتهاكات بإحالتهِ إلى القضاء الوطني أو إلى قضاء دولي لمحاسبتهم” .

في سياق هذا المفهوم لحقوق الإنسان وممارستهِ في مجتمع ما، فإن هذه الحقوق لا تحقق بمجرد النص عليها في دستور الدولة وقوانينه ولا بمصادقة هذه الدولة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته ، فممارسة الحقوق والحريات لا نجدها إلا في ظل مجتمع حر يتمتع بنظام حر، والصفة الرئيسة التي تميز هذا النظام هي خضوع سلطة الحكم للقانون عن طريق الضمانات التي تكمل الحقوق والحريات العامة ، والتي في جوهرها عبارة عن مبادئ قانونية تضمن انصياع السلطة لمطالب الحرية ، ويمكن إن نتناول هذه المبادئ على الشكل الآتي :

1ـ مبدأ سيادة القانون : 

يعتبر من أحدى الضمانات الأولى والمبدئية لحماية حقوق الإنسان، حيث تخضع سلطة الحاكم في الدولة للقانون خضوع المحكومين له وفقاً للدستور الذي يضع قواعد الحكم الأساسية ، ويقرر الحقوق والحريات الخاصة للأفراد والجماعات ، وبهذا يتحقق للأفراد الاطار القانوني في مواجهة سلطة الحكم .

2ـ مبدأ الفصل بين السلطات : 

والمقصود به هنا هو المؤسسات والهيئات العامة الحاكمة في الدولة وهي حسب وظائفها تقسم إلى ثلاثة سلطات تشريعية – تنفيذية – وقضائية . والمراد هنا بالفصل بين السلطات الثلاث كضمانة من ضمانات حقوق الإنسان، هو أن تكون لكل سلطة من السلطات الثلاث اختصاصاتها المحدودة ، بحيث تكون كل سلطة منفصلة عن الأخرى انفصالاً مرناً ، وذلك لمنع قيام حكم مستبد بتركيز السلطة بيد واحدة أو جهة واحدة، وبحيث تمارس كل سلطة رقابتها على الأخرى مع ضمان الحريات والحقوق في المجتمع .

والفصل بين السلطات يعني عدم تركيز السلطات في الدولة في يد واحدة أو هيئة واحدة ، فالشخص لا يجوز له أن يتولى أكثر من وظيفة واحدة من وظائف الدولة الثلاثة ، التشريعية والتنفيذية أو القضائية، فمثلاً لو اجتمعت السلطة التشريعية أو التنفيذية في يد واحدة فقد يحدث أن يعّدل القانون لمراعاة أغراض شخصية وبذلك يفقد التشريع الغرض الأساسي له وهو وضع قواعد عامة مجردة لتطبق على كل الحالات .

3ـ مبدأ الفصل بين السلطتين المدنية والعسكرية : 

المقصود هنا بهذا الفصل هو عدم تدخل السلطة العسكرية في الشؤون السياسية ، ومنع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وعدم ممارسة العسكريين للسلطة القضائية.

4ـ مبدأ استقلال السلطة القضائية : 

القضاء بمعناه العام هو الفصل بين الناس في الخصومات والنزاعات على سبيل الإلزام ، ودور القضاء كبير في المجتمع وذلك لإنصاف المظلومين ، فالقضاء هو الوسيلة التي تسترجع بها الحقوق إلى أصحابها وتُصان بها الحريات والأعراض والأموال ، وإن قيام القضاة بأداء وظائفهم بحرية واستقلال يعد من أكبر الضمانات لحماية الحقوق والحريات العامة والخاصة.

وهذا يعني أن يتساوى أمام القضاء الجميع تحت سماء العدالة ، ويقوم مبدأ استقلال القضاء على مبدأ أساسي وهو أن تحقق المساواة والعدالة في الحكم القضائي، يجب أن يتمتع القاضي بالاستقلال التام والحرية الكاملة في عملية اتخاذ القرار القضائي” .

5ـ مبدأ الرقابة القضائية على دستورية القوانين :

المقصود هنا بالرقابة القضائية، هو حماية حقوق الإنسان من تجاوزات السلطة التشريعية، وذلك من خلال منع المشرع من انتهاك المبادئ التي تهدف لضمان حقوق الإنسان أثناء عملية تشريع القوانين، ولتحقيق هذا الهدف يجب إنشاء محكمة دستورية عليا يكون اختصاصها الحكم بإلغاء القانون إذا ثبت عدم دستوريته، وتتجسد الرقابة في وجوب خضوع القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية للرقابة القضائية للتأكد من مطابقتها للنصوص الدستورية .

6ـ مبدأ الرقابة القضائية على تصرفات الإدارة وقراراتها : 

وهذا المبدأ يختص بحماية الحقوق والحريات من تجاوزات السلطة التنفيذية ، وذلك من خلال مراقبة أعمال الحكومة والإدارة عن طريق السلطات القضائية والتي تشمل تصرفات الإدارة وقراراتها ، وفي حالة ثبوت الإساءة في استعمال السلطة فتقوم السلطة القضائية برد الأمور إلى ما كانت عليهِ، وتصحيح الخطأ والحكم بتعويض المتضررين .

الخاتمة 

من المسلّم به أن قضية تحقيق التنمية الشاملة في أي مجتمع تستلزم توافر وتضافر جملة من الشروط والعناصر التي لولاها سيتحول كل جهد تنموي إلى ضرباً من العبث ، وتعد خطط وبرامج التنمية السياسية من أهم تلك العناصر ، والتنمية السياسية بدورها يعتبر أحد مقوماتها الجوهرية وركائزها هو بناء التنمية الإنسانية الشاملة ، باعتبارها تغيير حضاري وهي عملية واعية ومخططة وذات طبيعة شمولية تبدأ بالتعرف على الواقع والمعوقات ولا تنتهي برامجها لتجدد اهدافها واستمرارية الحاجة اليها .

فالدول والشعوب لا تنهض بدون توفر عناصر نجاحها وبدون توفر نخب وشعب يمتلك على الاقل الحد الادنى من الوعي والنضوج وبالتأكيد العزيمة والاصرار على النهوض والتطوّر.

وهنا تجدر الاشارة الى جانب مهم وسؤال جوهري حول مجتمعات ودول نجحت ولازالت تحقق نجاحات في مجال التنمية وأسباب اجتيازها مراحل التنمية بكفاءة واقتدار وصعودها وتطورها المتميّز.

ماهي اسباب النجاح ؟ وعوامل تحققه والنخب والقادة الفاعلين والمؤثرين المساهمين في ذلك ؟

وهل هؤلاء القادة سينجحون في بيئات وظروف مختلفة ؟

وهل سينجح لي كوان قائد سنغافورة ومخاتير زعيم ماليزيا في دول أخرى مثل نيجيريا والسودان مثلا ؟؟

بالتأكيد أن مخاتير ولي كوان ومن على شاكلتهما قادة عظام ولكن أيضا البيئة والظروف والنخب لها دورها وستفعل فعلها وستختصر الجهد والوقت وتسرّع في الانجاز والوصول ، فالعوامل كلما تظافرت وشكلت عوامل نجاح وهكذا هي مراحل وخطط التنمية.

تجدر الاشارة الى أن التنمية السياسية قد أفرد لها الاهتمام الكبير من قبل عديد البحاث والمفكرين بدول العالم المتقدم والنامي والمتخلف وكل أدلى بدلوه فيها وحسب وجهة نظره وبيئته ولهذا كان لزاما أن يتم التعاطي معها وفق البيئة والواقع المعاش وعدم الانجرار خلف رؤى وافكار قد لا تخدم واقع وظروف دول أو مجتمعات وأخذها من مبدأ المسلم بها وأنها وردت من جهات يشهد لها ، وعدم التأثر بالنماذج الغربية أو نماذج لا تتناسب ولا تتوافق مع البيئة والواقع .

***

 ورقة بحثية اعدت للمشاركة في ورشة عمل بالأكاديمية الليبية طرابلس بالتعاون مع المركز الليبي للدراسات والأبحاث وقسم الدراسات الإقليمية بمدرسة العلوم الإستراتجية والدولية بتاريخ : 2021.05.19 م بعنوان: التنمية السياسية في بلدان الجنوب ( الانجازات والتحديات ).

__________________________

مقالات مشابهة