سالم العوكلي

إن ما يسمى الإسلام السياسي بكل تفرعاته يشكل لب النظام الأبوي أو الهيراركي المضاد بنيويا للديمقراطية وللحداثة، فهي منظومات أصولية متعصبة وجامدة، ويشكل الأمر والطاعة جوهر عقيدتها.
وهذا ما يجعل اتهام هذا التيار للقبيلة بأنها معطلة للديمقراطية مفارقةً ونوعا من التعمية، ويشبه توجيه النظر إلى (التدخين كخطر وحيد).
من ناحية، أصبح العداء الموجه للقبيلة أو البداوة من منطلق ردة فعل ضد لافتات النظام السابق التي لا تعكس الواقع الاجتماعي، ومن ناحية أخرى، أصبح هذا الخطاب الموجه ضد القبيلة والبداوة خطابا استعلائياً شبيها بالخطاب الاستشراقي (وأعني الاستشراق الدوغمائي الموجه وفق أحكام مسبقة وليس العقلاني الباحث عن المعرفة),
والمفارقة اننا جميعا في الشرق أو في الجنوب يضعنا هذا الخطاب الاستشراقي في سلة واحدة محتواها تخلف وبداوة، بباديتنا وريفنا ومدننا وحواضرنا وصحرائنا، بمعنى أن هذا الخطاب التمييزي ينتقل من مستوى إلى مستوى كما هي عادة الخطاب العنصري، فالمديني الذي يصف القرية المجاورة بالتخلف، هو متخلف بنسبة لمديني آخر في الشمال وهكذا.
القبيلة مسألة وجودية لهذه المجتمعات، متجذرة من قرون طويلة وستستمر مادامت البدائل غير متاحة، والسياسة الرشيدة هي التي ترسم خططا لإدارة خصائص المجتمعات وطبائعها وليس لمسخها عنوة وعبر الشعارات.
ذلك ما فعلته الشيوعية المتطرفة مع الأديان والمذاهب والمعابد، ووضعتها في سياق الماضي الواجب انقراضه في الأراضي التي سيطرت عليها، وهي تحاول أن تنزع أمما كاملة من خصائصها الروحية، ومن تقاليدها الدينية والعرفية، ومما يشكل محور هويتها ووجودها.
وبمجرد أن تفككت هذه المنظومة الماسخة لهوية الكائن الإنساني، عادت تلك الخصائص الروحية والعرقية تعلن عن نفسها من جديد.
ولقد راعت دولة الاستقلال في ظل الحكم الملكي هذه الخصائص في الكثير من سياساتها الإدارية والاجتماعية، وعلى سبيل المثل رسمت حدود المحافظات الإدراية وفق التركيبة القبلية غالبا، ولكن هذا لم يمنع الشروع في إقامة دولة قانون ومؤسسات متسقة مع ذلك العصر، وإفراز أجسام نقابية وطنية مهمة، كنقابة العمال وأتحاد الطلاب، مع تحفظ يسجل حيال منع الأحزاب الذي بُرر في ذلك الوقت بكون أنوية الأحزاب تمثل فروعا لأحزاب خارج الحدود وليست نتاجا وطنيا محليا. مثل الأحزاب القومية والأخوانية والبعثية والشيوعية.
وقد وصلت هذه التيارات في دول أخرى إلى السلطة وخسفت بالديمقراطية وبالحقوق ونكلت بشعوبها. ونشرات الأخبار الحالية تنبئنا بهذا المصير.
ولكن في المحصلة لا تقوم ديمقراطية ــ حتى الآن ــ إلا على حياة حزبية، شرط أن يكون العقل الديمقراطي متجذرا في ثقافة هذه الأحزاب، والأمر مازال معقدا بالنسبة للدول المقلدة لهذا النموذج العالمي.
أُتيحَ لي أن أعيش التجارب المختلفة، البادية والقرية والمدينة، وأستطيع أن أقول أني وقفتُ على أن كل هذه الثقافات متكاملة وليست متضادة كما يروج لها الآن، وأن ما ينقص هو إدارة هذه العلاقة التكاملية بينها، وأن لا تُختزل في تأويلها السياسي، أو في ظرفها التاريخي الخاص الذي خلق هذه الهوة بناء على إدارة سيئة لهذه العلاقة، خَدَمَتْها ظروفُ الاقتصاد الريعي، وطبيعة الحكم الشمولي الذي طالما هجته قصائد وأغان شعبية بدوية في زمن الصمت والطاعة.
، وتمخض عن هذه الهوة نوع من العنصرية التي أحالت كل ثقافة إلى قدر جيني تحول فيها مكان مولد الشخص ولقبه إلى معطى ثابت للحكم عليه واتخاذ موقف منه.
وقد عايشت هذا الخلل الذي اعترى المفاهيم وحوَّلها إلى شعارات صادحة أو شعائر لا يمكن دحضها بأي محاولة لتجاوز هذا الترسيم.
قبل اكتشاف النفط وتصديره، وقبل أن تدير المدن ظهرها للمحيط عندما أصبح كل الغذاء يأتي من البحر، كانت العلاقة تبادلية وسوية حين كانت مقايضة السلع بين المدن ومحيطها أمرا ضروريا لاستمرار الحياة للاثنين، كما عايشت رغبة المدينة في تصدير قيمها الثقافية إبان الستينيات حين كانت المكتبات والسينما المتنقلة تصلنا في القرى والنجوع، وحين انتشرت المدارس والأقسام الداخلية والآلات والخدمات الصحية في الدواخل.
لكن ما حدث بعد ذلك من تكديس الثروة النفطية وتحويلها إلى مرتبات في المدن، تسبب في نزوح جماعي صوب المدن أضر بالاثنين، ثم بدأ النظام الجماهيري حربه على المدينة في سياق حربه على مفاهيم النخبة والكفاءة، وانتهى بقذع وشتائم للمدينة وسكانها في إحدى القصص التي كتبها الحاكم في إطار استراتيجية بدْوَنة الدولة التي كانت شعار النظام السابق الصادح، ما جعل البعض يختزل البداوة في هذا السياق الضيق حتى يومنا هذا.
مع أن هذا المفهوم تبدل بالكامل بعد تسويق النفط، وما تلاه من انسياب للمعرفة عبر الأقمار الصناعية، والمجتمع الرقمي الذي أصبحنا شئنا أم أبينا جزءا منه حين تحولت هذه الثورة التقنية إلى نظام شامل للترويج والتسويق: تسويق كل شيء، من السلع إلى الثقافة إلى الدين إلى النموذج.
ولمحاولة فهم هذه المتغيرات الجذرية، ودحضِ مسلّمة أن القبيلة ضد الدولة الحديثة والمدنية، سأذكر مفارقتين إحداها حصلت في السنوات القليلة الماضية ومازالت تحصل، والأخرى حدثت إبان تأسيس الدولة الوطنية في منتصف القرن الماضي:
أحتفظ في أرشيفي الخاص بالكثير من البيانات التي صدرت بعد فبراير من اجتماعات قبلية، ومن بيانات صدرت من قلب الحواضر المدنية في ليبيا، وأقبض على مفارقة غريبة، فجل البيانات القبلية تحرص على وحدة الكيان الليبي، والحفاظ على المسار السياسي بعد الانتخابات، وعلى مدنية الدولة، بينما بعض البيانات (الفتاوى) التي صدرت من حواضر مثل درنة أو بنغازي أو طرابلس أو صبراتة أو مصراتة كانت تكفر الديمقراطية والدولة المدنية من الأساس، أو تدعو في أفضل الأحوال إلى دولة دينية تُحكِّم شرع الله.
وأعرف أن هذه المفارقة خاضعة لظرف شاذ وليست راسخة اجتماعيا أو ثقافيا، فقط لأن تلك الحواضر سيطرت عليها لفترة جماعات الإسلام السياسي المتطرفة، وهي حقا لا تعكس روح تلك المدن التي لها باع طويلة في الثقافة والسياسة، والتي أسهمت بقدر كبير في تأسيس أول دولة وطنية مدنية في ليبيا.
لكن السؤال هو كيف استطاعت هذه الجماعات الظلامية أن تسيطر بسهولة، أو بغير سهولة، على تلك الحواضر النابضة؟
ولماذا غابت لفترة التيارات المدنية والوطنية فيها، بين صمت وحياد أو نزوح خارج المدن.
هذه المفارقة الناتجة عن ظرف طارئ تمُتُّ بصلة إلى مفارقة حدثت قبل سبعين سنة ناتجة عن ظروف مختلفة، إبان الشروع في تأسيس دولة ليبية مستقلة لأول مرة وفق قرار من الأمم المتحدة وبدعم منها.
يذكر مبعوث الجمعية العامة، أدريان بيلت، أنه في التجهيز لصياغة دستور الدولة تطلَّبَ الأمر وجود هيأة لصياغته، ما سُمي فيما بعد “لجنة الستين“، وحدث الاختلاف الجوهري بين من يطالب بانتخاب هذه الهيأة وبين من يصر على تعيينها، والمفارق أن الأحزاب الناشطة في طرابلس ــ كما يروي بيلت ــ كانت مع التعيين وضد الانتخاب، إضافة إلى النخبة الحاضرة من الشرق وجلها من بنغازي والفاعلون فيها معظمهم أعيان مدن أو تكنوقراط عائدون من المنفى، كانوا يميلون لآلية التعيين
غير أن الطرف الثالث المتمثل في فزان كان رافضا لفكرة التعييين بشدة، مؤكدا على ضرورة انتخاب أعضاء لجنة الستين، مع العلم أن ما يمثل فزان في تلك الفترة هو تجمع قبلي يقوده السيد أحمد سيف النصر الذي كان لا يقبل نقاشا في ما يخص انتخاب الهيأة، ما عرقل الشروع في صياغة الدستور إلى أن تدخل الأمير السنوسي لإقناعه.
وهي مفارقات تطرح أسئلة حيال مفهوم القبيلة ومفهوم الأحزاب الذي مازالا في جدل حتى وقتنا الراهن. فالأحزاب ضرورة لأي ديمقراطية، ولكن ليس بالضرورة القبيلة معرقلة للحلم الديمقراطي.
…
يتبع
________________
المصدر: منصة القانون والمجتمع في ليبيا