الحبيب الاسود

المشكلة التي يتجاهلها رئيس حكومة الأمر الواقع أن الوضع لم يتغير كثيرا وأن ما كانت عليه طرابلس أيام السراج هو ذاته ما تبدو عليه اليوم وأن شرعيته ساقطة بحكم القانون والاتفاق.

من جديد، خرج رئيس حكومة الأمر الواقع في غرب ليبيا، عبدالحميد الدبيبة، ليقرع طبول الحرب معتمدا على ميليشيات مدينته الأصلية مصراتة في مواجهة ميليشيات العاصمة التي تحتضنه، طرابلس.

يقول الدبيبة إنه يريد تحرير أجهزة الدولة ومؤسساتها من التشكيلات المسلحة النشطة على هامش السلطة المركزية أو الموازية للأجهزة والمؤسسات السيادية. وحتى الآن، تبيّن أن حرب الدبيبة موجهة بالأساس ضد جهازين تابعين للمجلس الرئاسي، بقرار من رئيسه السابق، فائز السراج.

في 12 مايو الماضي، تم الإعلان رسميا عن اغتيال رئيس جهاز دعم الاستقرار، عبدالغني الككلي، بعد دعوته إلى معسكر التكبالي لإجراء مشاورات حول مستقبل الأجهزة الأمنية. وهناك تم الإجهاز عليه وعلى عدد من مرافقيه.

طبّقت سلطة الدبيبة حرفيا ما ورد في المثل الشعبي “اقطع الرأس تنشف العروق،” واعتبرت أن مقتل “غنيوة” سينهي الجهاز ويدفع فلوله إلى الاستسلام أو الفرار، وسيؤدي حتما إلى السيطرة على مقارّه وثروته المالية وآلياته وتجهيزاته، كما سيكشف جرائمه التي لا يمكن لأيّ عاقل أن ينفيها أو يتجاهلها. وهو ما حدث بالفعل.

لم يأتِ جهاز دعم الاستقرار من فراغ، وإنما تكوّن في الأصل من عناصر ساهمت في الحرب على نظام الراحل معمر القذافي تحت طيران الناتو، وجمع شتاتها “غنيوة”، الذي كان آنذاك فارّا من سجون بنغازي بعد سنوات من الاحتجاز، بسبب تورطه في جرائم جنائية، من بينها جريمة قتل.

استخدم تلك العناصر للسيطرة على منطقة أبوسليم وسط طرابلس، وعمل على إذلال سكانها، وخاصة من كانوا موالين للنظام السابق.

تحولت ميليشيا الأمن المركزي إلى رقم صعب في دعم من يطمحون إلى الإمساك بمقاليد الحكم، مقابل امتيازات عدة، من بينها السيطرة على مؤسسات سيادية، إلى جانب امتيازات المتمردين في زمن الفوضى، كنهب موارد الدولة، وفرض الإتاوات على السكان المحليين، وخاصة التجار وأصحاب الحرف، وإطلاق اليد لملاحقة كل من يقول “لا” أو يرفض تقديم الولاء، سواء بالقتل أو الاحتجاز أو قطع الأرزاق.

كان كل ذلك يحدث تحت أنظار السلطات الحاكمة في طرابلس، وأمام أعين المجتمع الدولي. في يناير 2021 قرر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، برئاسة فائز السراج، إنشاء جهاز أمني جديد تحت اسم “جهاز دعم الاستقرار”، ليتولى تنفيذ تكليفات ومهام أمنية محددة، برئاسة عبدالغني الككلي.

ويُعد ذلك القرار محاولة لتمكين ميليشيا الأمن المركزي من الشرعية القانونية، وتحويلها إلى جهة سيادية بعد تثبيت موقعها من خلال مشاركتها الفاعلة في التصدي لعملية “طوفان الكرامة” التي نفذتها قوات المشير خليفة حفتر، في محاولة لتحرير العاصمة من حكم الميليشيات.

وبحسب المادة الثالثة من نص القرار، “يكون المقر الرئيسي للجهاز بمدينة طرابلس، مع جواز إنشاء فروع أو مكاتب له في المدن أو المناطق الأخرى، بقرار من رئيس المجلس الرئاسي بناء على اقتراح من رئيس الجهاز.

ووفقا للمادة الرابعة من القرار، يتولى الجهاز اختصاصات ومهام، من بينها:

تعزيز الإجراءات الأمنية الكفيلة بحماية المقرات الرسمية للدولة من أيّ تهديدات أمنية، وكذلك تعزيز حماية المسؤولين كلما تطلب الأمر، بالتنسيق والتعاون مع الجهات المختصة؛

والمشاركة في تأمين وحماية الاحتفالات والمناسبات الرسمية، وكذلك النشاطات الشعبية، ونشاط مؤسسات المجتمع المدني المرخّص لها من الجهات المختصة؛

والمشاركة، كلما اقتضت الضرورة، في تنفيذ العمليات القتالية، بما في ذلك الاقتحام والمداهمة والملاحقة الأمنية بالتنسيق مع الجهات المختصة؛ ومكافحة الشغب، وفض الاشتباكات التي ينفّذها المسلحون الخارجون عن القانون في المدن والقرى الليبية، بالتعاون مع مديريات الأمن والأجهزة المختصة؛

والمشاركة في عمليات القبض وملاحقة المطلوبين في القضايا التي تهدد الأمن القومي للدولة، بالتنسيق مع الجهات الأمنية والقضائية؛ ونشر الوعي الأمني بين شرائح المجتمع، وتبني ثقافة عدم الاحتكام إلى السلاح، وفض المنازعات والخلافات عبر الجهات القضائية والأمنية والاجتماعية، ودعم برامج جمع السلاح غير المرخص.

بمعنى آخر، فإن كل الجرائم التي كان “غنيوة” متورطا فيها، كانت تجري في إطار شرعي وضعه السراج، الذي كان قد دفع بالبلاد إلى الفوضى لمدة خمس سنوات، وأدخلها في أتون الحرب نتيجة قراراته الخاطئة، وألحق بها جبلا من الأضرار والخسائر نتيجة الفساد الذي ساد تحت مظلة حكمه، ثم خرج من السلطة بصورة “البطل المتوَّج” الذي لا يزال يحظى بالتكريم في طرابلس.

قبل أيام، قرّر رئيس المجلس الرئاسي الحالي محمد المنفي تعيين حسن أبوزريبة رئيسا جديدا لجهاز دعم الاستقرار، بعد أن كان نائبا لعبدالغني الككلي، وفق قرار يناير 2021. وفي أغلب الأحيان، تتخذ المواقف والقرارات أبعادا شخصية وجهوية من قبل أصحاب القرار، الذين وصلوا إلى مواقعهم على صهوة الصدفة، والمتسربلين في جلابيب الفساد الممنهج.

في آخر لقاء تلفزيوني تم تسجيله معه “حسب الطلب”، أكّد الدبيبة أن معركته القادمة ستكون مع جهاز “قوة الردع”، الذي يتزعمه عبدالرؤوف كارة، ويحظى بدعم شعبي واسع في طرابلس، وخاصة في منطقة سوق الجمعة.

في ديسمبر 2020، قرر رئيس حكومة الوفاق الليبية في طرابلس، فايز السراج، فصل جهاز “قوة الردع” عن وزارة الداخلية في حكومته، وإلحاقه به مباشرة، ليصبح تابعا له ماليّا وإداريّا، بعيدا عن وزارة الداخلية التي يترأسها حينها فتحي باشاغا.

نصّ القرار على إعادة تنظيم جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب، بحيث يُسمّى “جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.” وأكد القرار أن المقر الرئيسي للجهاز سيكون في مدينة طرابلس، مع جواز إنشاء فروع له بقرار يصدر من رئيس المجلس الرئاسي، بناء على عرض من رئيس الجهاز. وكان من بين اختصاصاته تنفيذ السياسات الأمنية، والمساهمة في حماية وتأمين الحدود ومنافذ الدخول والخروج.

انطلاقا من قرار السراج، بسط جهاز الردع نفوذه على مطار وسجن معيتيقة، وميناء طرابلس، وعدد من المؤسسات الأخرى التي يقول الدبيبة إنه يسعى إلى تحريرها وإعادتها إلى سلطته.

المشكلة التي يتجاهلها رئيس حكومة الأمر الواقع أن الوضع لم يتغير كثيرا، وأن ما كانت عليه طرابلس أيام السراج هو ذاته ما تبدو عليه اليوم، وأن شرعيته ساقطة بحكم القانون والاتفاق والزمن السياسي.

كما أن شعاراته، وإن كانت نبيلة في ظاهرها، فإنها تحمل في داخلها رغبة في السيطرة، وبسط النفوذ الواسع، وتكريس حكم الفرد، بالاعتماد على ميليشيات جهوية مشتراة بأموال الدولة، مع استباحة مؤسساتها.

يقول البعض “رب ضارة نافعة”، فقد تكون حرب الدبيبة القادمة فرصة للإطاحة بسلطة الأمر الواقع التي يتمسك بها، وإنهاء حقبة الفساد التي رسّخها منذ توليه الحكم قبل أكثر من خمس سنوات، عندما جاء كسراج ثانٍ، هدفه الانقلاب على السراج الأول، وتنفيذ إرادة البقاء في الحكم لعشرين عاما أو أكثر.

______________

مقالات مشابهة