لورد ألتون
يؤكد لورد ألتون أن مستقبل ليبيا يتوقف على الوحدة، وحل مسألة السلاح لدى الميليشيات، والدعم الدولي لإنهاء الأزمة الاقتصادية وعدم الاستقرار.

***

لقد رأيت هذا المشهد من قبل. قبل عقد من الزمن، كتبتُ عن معاناة سوريا، وأزمة اللاجئين، والحاجة الماسة إلى ملاجئ آمنة أماكن يمكن فيها الناس أن يجدوا الأمل، ويعيدوا بناء حياتهم، ويستعيدوا كرامتهم.

اليوم، أجد نفسي أفكر في ليبيا دولة تقف على مفترق طرق مماثل، لكنها تحمل وعداً بالتجديد والإحياء.

الأعراض معروفة:

أزمة اللاجئين، وعدم الاستقرار الإقليمي، والأزمة الاقتصادية. إن التعامل مع الهجرة كمسألة منفصلة هو فهم خاطئ للمشكلة. الهجرة غير النظامية ليست السبب الرئيسي، بل هي نتيجة.

المشكلة الحقيقية تكمن في استمرار تفتت الدولة الليبية، ووجود الجماعات المسلحة، لا سيما في الشرق، ولكن أيضاً في الجنوب الغربي، والتي تستغل الهجرة كوسيلة ضغط ضد السلطات الوطنية والمجتمع الدولي.

لا ​​يوجد حل سحري. لكن هناك حل طويل الأجل:

الاستثمار في الاستقرار حيث تبدأ الأزمة في الداخل. هذا يعني دعم الحكومات التي تعمل بجد لاستعادة السيادة، وبناء المؤسسات، وإعادة بناء المجتمعات المتشردة.

في ليبيا، هذا الجهد جاري من خلال حكومة الوفاق الوطني التي تقودها الأمم المتحدة، والتي تواصل التصدي للتفكك وإعادة بناء أسس الدولة، والسيطرة على الميليشيات.

أكدت المحادثات الثلاثية الأخيرة في إسطنبول التي جمعت قادة ليبيا وتركيا وإيطاليا على الأهمية الاستراتيجية للتعاون الإقليمي في منطقة البحر المتوسط. تعكس هذه اللقاءات التزام حكومة الوفاق الوطني بالاستقرار الإقليمي، ورغبتها في التنسيق مع المجتمع الدولي كشريك مسؤول.

لنجاح هذا المسعى، يجب على حكومة الوفاق الوطني والشركاء الدوليين اتباع استراتيجية منسقة استراتيجية تمكّن ليبيا وأوروبا من العمل جنباً إلى جنب نحو الاستقرار والاستدامة في المنطقة. سيتطلب هذا الضغط على الحكومة البديلة، التي يسيطر عليها خليفة حفتر في شرق ليبيا، للالتزام بدعم عودة الديمقراطية، والتي كان حفتر وأنصاره سبباً في عرقلتها.

لا يمكن تحقيق سلام حقيقي ما لم يتخلّف حفتر عن السلاح، ويقطع علاقته بالمجموعات الإجرامية التي تمارس تجارة البشر، ويوقف سحب الأموال من البنك المركزي لتمويل نفوذه، هذا النفوذ المبني على الخوف والترهيب والقمع.

ينبغي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي أن يدركوا أن حفتر وأنصاره في الميليشيات، بالإضافة إلى الشبكات الإجرامية التي يتعاون معها، هم من يجب الضغط عليهم بشكل حاسم لإجبارهم على تغيير موقفهم.

قبل عشر سنوات، تحدثتُ عن ضرورة إنشاء مناطق آمنة محمية دوليًا، حيث يمكن للناس إعادة بناء حياتهم. ووصفتهن بـقرطاج الجديدةفي شمال إفريقيا، مستوحاة من مدينة سنغافورة الحديثة.

واليوم، باتت هذه المقارنة أكثر أهمية من أي وقت مضى. تمتلك المدن الليبية، كغيرها من المدن، القدرة على أن تكون قرطاج الجديدة في القرن الحادي والعشرين مراكز حضرية ذات استقلالية اقتصادية، تدفع عجلة النمو الاقتصادي وتقدم فرص العمل والتعليم.

إن ثروة ليبيا من الموارد الطبيعية والطاقة الشمسية، إلى جانب موقعها الاستراتيجي في البحر المتوسط، تشكل أساسًا قويًا. يجب أن نتخيل هذه المدن المستوحاة من قرطاج كمعاقل تقنية، تجمع بين التقنية المتطورة والطاقة الشمسية لتوفير طاقة مستدامة ومياه معالجة.

لكن هذا المستقبل لا يعتمد فقط على الموارد. بل يتطلب الشرعية وسيادة القانون، والاتفاق الاجتماعي الذي لا يتحقق إلا بدستور موحد، ومؤسسات فعالة، وأحكام انتخابية عادلة.

كما يتطلب اهتمامًا جماعيًا فلن يبني الناس حياتهم في هذه المدن الجديدة إلا إذا ساهم الشركاء الدوليون في ضمان الاستقرار من خلال توفير ضمانات أمنية دولية أثناء إنشائها.

هذه الرؤية طموحة، وربما أكثر من اللازم، لكن البديل أسوأ بكثير: دورة من الحكم المتقطع التي ستستمر في زعزعة استقرار المنطقة.

حان الوقت للمجتمع الدولي لترك الحلول المؤقتة ودعم إعادة بناء المؤسسات على المدى الطويل. ما تحتاج إليه ليبيا الآن هو فرصة لتثبيت مكتسباتها، من خلال نزع سلاح قادة الميليشيات والمجموعات الإجرامية، وفي هذا الصدد حققت حكومة الوفاق الوطني بعض النجاح.

ولن يتحقق ذلك إلا بعد أن تسير ليبيا نحو دستور وإجراء انتخابات حرة، ثم استعادة سيادتها الكاملة.

***
اللورد ألتون عضو في مجلس اللوردات البريطاني، ورئيس اللجنة المشتركة لحقوق الإنسان في البرلمان البريطاني.

________________

مقالات مشابهة