عبد الله الكبير

لم تختلف إجابة جل الفلاسفة والمفكرين على هذا السؤال إلا في الكلمات، أما في المعنى فهم متفقون في الراحة التي تمنحها الأوهام للإنسان، راحة من القلق والتفكير واضطراب النفس إذا قاربوا الحقيقة.

 يرى الفيلسوف نيتشه أن الناس تذهب إلى مكافأة من يخدرها الأوهام، وتعاقب من يقول الحقيقة، مسديا النصح لمن يرغب بالبقاء مع الناس أن يشاركها أوهامها، لأن الحقيقة يقولها من يرغبون في الرحيل.

دعاة الحقيقة الرافضون للأوهام هم تلك الفئة القليلة التي شحذت وعيها بالقراءة والتبصر في كل ما يقدم لها، مرهقة نفسها وعقلها بالبحث والتحليل في ما يخفيه الخطاب المعلن، الغوص في العمق وعدم الاكتفاء بما هو ظاهر ومغلف بأكاذيب لامعة براقة، فثمة ماهو محجوب عن الناس.

إذ نجحت مؤسسة السلطة في  إخفائه عن العامة بستار سميك من الأوهام و الأكاذيب، بينما يحاول من أبصروا الحقيقة تمزيقه لتنكشف هذه الحقيقة للناس، ولكن عالم الاجتماع العراقي يقول لهم منبها ومحذرا  يحاول دعاة الحقيقة في كل حين أن يكافحوا الأوهام بين الناس، وما دروا أن الوهم ربما كان أنفع من الحقيقة، فلو أن الإنسان عاش على الحقيقة وحدها لفني منذ زمن بعيد” .

الحقيقة هي المرض إذا كما يرى الوردي، ينال المرء الصحة والشفاء في تجنبها و اقتفاء الأوهام.

وهي فكرة يؤيدها الفيلسوف الروماني سيوران الذي يرى في الوعيلعنة مزمنة، كارثة مهولة، إنه منفانا الحقيقي، فالجهل وطن والوعي منفىأما الروائي الروسي دوستويفسكي فقد قالها بوضوح وباختصار كل وعي هو مرض“.

 الاستسلام للأوهام يضمن السلامة من القلق وإرهاق التفكير إذا، لذلك تحن قطاعات واسعة من الليبيين لأوهام الماضي، باجترار الدجل والأكاذيب عن العظمة والبطولات والأمجاد في زمن صانع المعجزات، للهروب من واقع مرير وقاسي المتسبب الأول والأخير فيه هو هذا الماضي بمعجزاته المزيفة.

فما أن انهار النظام البديع، و تلاشى ضباب الأوهام حتى ظهر بؤسه عاريا في الحاضر، ولا أوهام وأكاذيب تخفيه أو تجمله.

فما يُتكشف اليوم من انهيار وخراب ومعاناة، هي ثمار بذور الماضي التي حُجبت بالتضليل والزيف، عبر طوفان أناشيد الانتصارات والإنجازات والتقدم،  بالخطاب الدعائي والأغاني وقصائد المديح، حيث تسود مفردات التمجيد للفردوس الأرضي الفريد من نوعه في العالم، ويتوارى الواقع البائس خلف الشعارات والمقولات الخالدة.

لكن هروب الناس من ألم الوعي بالحقيقة يدفعهم إلى الارتماء في أحضان الوهم، بإحياء هذا الوهم في مناسبة موسمية تعمق المسافة بينهم وبين الحقائق، من دون أمل في مجازفة حقيقية يضعون فيها النظام الجماهيري البديع تحت مشرط النقد، لتشريحه ومقاربته بعدسات مجهرية تبرز الجراثيم والفيروسات التي سممت حياتهم، و سرادق الخراب الذي أحاط بهم، فدمر الحاضر وامتد إلى المستقبل، وتجاوُزُه يحتاج إلى زمن يعادل الزمن الذي استقر فيه هذا الخراب.

_____________

مقالات مشابهة