منذ أكثر من أربعة عشر عاماً على سقوط نظام القذافي، ما زالت ليبيا تعيش حالة انقسام سياسي وعسكري عميق، يعرقل محاولات بناء دولة موحّدة ومستقرة.

وبينما يتأرجح الليبيون بين مبادرات سياسية متكررة ووساطات خارجية، تبقى الأسئلة الكبرى عالقة: هل ينجح قطار السياسة الليبي في مغادرة محطة الجمود والانقسام، أم يظل أسير صراعات شرقاً وغرباً، وضغوط إقليمية ودولية متشابكة؟

انقسام سياسي واقتصادي مزمن

تشير تقارير صادرة عن مؤسسات بحثية دولية، منها مجموعة الأزمات الدولية ومعهد الولايات المتحدة للسلام، إلى أن الأزمة الليبية تجاوزت الانقسام السياسي البحت. فقد نشأت سلطات موازية ومؤسسات مالية واقتصادية متنافسة، إلى جانب صراع حاد على الموارد النفطية، ما جعل الانقسام حالة مؤسّسية يصعب تجاوزها.

في غرب ليبيا، تتوزع السيطرة بين فصائل مسلحة متناحرة على النفوذ والموارد، دون قيادة موحدة، رغم تبعيتها الشكلية لحكومة “الوحدة الوطنية” المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

العاصمة طرابلس بقيت مسرحاً لصدامات متكررة، كان آخرها مواجهة دامية قبل أشهر بين قوات موالية للحكومة وميليشيا “الردع”، انتهت بتفاهم هش رعته تركيا، لكنه ما زال مهدداً بالانهيار مع أي تغير في موازين القوى.

ترتيبات عسكرية شرقاً

في المقابل، تشهد منطقة الشرق الليبي ترتيبات عسكرية هادئة ولكنها عميقة التأثير. فقد أجرى المشير خليفة حفتر تغييرات بارزة في قيادة الجيش، شملت تعيين نجله صدام نائباً للقائد العام، وشقيقه خالد رئيساً للأركان.

هذه القرارات أثارت جدلاً واسعاً بين من يراها توريثاً يهدد المهنية، وبين من يعتبرها خطوة نحو تحديث المؤسسة العسكرية وبناء قيادة شابة، وفق ما صرح به اللواء خالد المحجوب، مدير إدارة الشؤون المعنوية.

ويرى مراقبون أن هذه التعيينات قد تفتح الباب أمام إعادة هيكلة أوسع للمؤسسة العسكرية، لكنها في الوقت ذاته قد تؤدي إلى صراع داخلي ما لم تواكبها تسوية سياسية شاملة.

المسار الأممي وخطة هانا تيتيه

على الصعيد الدولي، تواصل الأمم المتحدة الدفع بمبادرات لحل الأزمة. فقد عرضت مبعوثتها الخاصة إلى ليبيا، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن في أغسطس الماضي “خريطة طريق” تتضمن تعديلات دستورية محدودة تتيح إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، مع إعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات وتشكيل حكومة موحّدة خلال شهرين، إلى جانب إطلاق حوار وطني شامل.

الخطة لاقت ردود فعل متباينة؛ فبينما رأى البعض فيها “فرصة تاريخية” لإنهاء الانقسام، اعتبرها آخرون “طموحة أكثر من اللازم” وقد تصطدم بالواقع المعقد والتدخلات الخارجية.

الدور الأميركي واللقاءات السرية

الولايات المتحدة عززت حضورها في المشهد الليبي مؤخراً، حيث استضافت روما في 3 سبتمبر الجاري لقاءً سرياً جمع صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي لرئيس حكومة الوحدة، برعاية مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس.

ورغم ما كشفته تقارير إعلامية عن بحث ملفات حساسة، بينها مستقبل قطاع النفط وصراع طرابلس، فإن تفاصيل هذه التفاهمات ما تزال غامضة.

تنافس إقليمي

الملف الليبي ما زال ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية، خاصة تركيا وروسيا. أنقرة لعبت دوراً محورياً في نزع فتيل مواجهات طرابلس الأخيرة، وتسعى لترسيخ نفوذها من خلال مشاريع الإعمار والتواصل مع كل الأطراف.

في المقابل، تواصل موسكو دعمها لمعسكر الشرق، مع محاولات فتح قنوات مع سلطات الغرب، وإن كانت بنهج أكثر حذراً.

أزمات معيشية خانقة

رغم هذه التحركات السياسية والعسكرية، يظل المواطن الليبي يواجه أزمات يومية متفاقمة. انقطاع الكهرباء، نقص السيولة، تأخر الرواتب، وارتفاع الأسعار، في بلد نفطي ينتج نحو 1.4 مليون برميل يومياً.

هذه المفارقة دفعت مواطنين إلى وصف حياتهم بأنها “مأساة يومية في بلد ثري”، بينما يدعو باحثون محليون إلى مشروع وطني شامل يوحد المؤسسات ويعيد التوازن بين طموحات الشعب وموارد الدولة.

احتمالات مفتوحة

المشهد الليبي يقف اليوم على مفترق طرق: إما انفراج يعيد للدولة تماسكها، أو تصعيد يرسخ الانقسام لفترة غير معلومة.

وبين ترتيبات عسكرية في الشرق والغرب، وضغوط دولية متشابكة، يبقى مستقبل البلاد معلقاً على قدرة الأطراف على تجاوز الحسابات الضيقة، والانخراط في مشروع وطني جامع يعيد لليبيا استقرارها المفقود.

_____________

مقالات مشابهة