تدخل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أكثر فصولها هشاشة حتى الآن.

فهي تفتقر إلى الحلفاء، ولا تملك سوى نفوذ ضئيل، وتُثقل سمعتها عقود من الإخفاقات السياسية. ومع ذلك، لا تزال الفرصة سانحة لإعادة ضبط المسار إذا تصرفت الممثلة الخاصة الجديدة، هانا تيتيه، بحزم.

لا تقتصر مشكلة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على الإرهاق السياسي فحسب.
يتذكر الليبيون اتفاق الصخيرات السياسي (2015) ليس كاتفاق سلام أنهى حرباً، بل كنقطة انطلاق لأزمة شرعية لم تنتهِ قط.

وقد أضافت كل عملية منذ ذلك الحين مؤسسات جديدة على انقسامات قديمة، سعياً وراء توافق مستحيل أضعف المساءلة.

يخشى كل فاعل سياسي رئيسي في ليبيا الآن عملية جديدة، ليس بسبب ما قد تحققه، بل بسبب ما قد تكشفه. إن الوحدةالهشة داخل كل معسكر ليست سوى وهم.

بمجرد أن تفتح الأمم المتحدة مساراً سياسياً جاداً، ستظهر التنافسات داخل الفصائل وستنهار التحالفات.

ومن المفارقة أن نخب ليبيا تكون أكثر حريةخلال عمليات الأمم المتحدة؛ إذ يرى كل منهم فرصة للصعود إلى أعلى، لكنهم يقاومون جماعياً إعادة بناء السلم.

على الصعيد الدولي، لا تحظى البعثة بثقة كبيرة. فالعواصم الكبرى تدعم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا فقط عندما تتوافق النتيجة مع مصالحها الخاصة.

أضف إلى ذلك نقاط الضعف المزمنة للبعثة، وفهمها السطحي لشبكات القوة الاجتماعية في ليبيا، والتحيز الداخلي، وسوء التنسيق، والنتيجة هي بعثة عالقة بين سخرية طرابلس وتردد الأجانب.

ما الذي يجب على تيتيه فعله بشكل مختلف؟

لا تحتاج بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى خارطة طريق أخرى. إنها تحتاج إلى المصداقية. ويبدأ ذلك بثلاثة تحولات استراتيجية.

أولا: إعادة بناء التواصل والتحالفات

لقد اتبعت الممثلة الخاصة نبرة صحيحة ولكنها لم تُصب الهدف. يجب على بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا اختراق فراغ وسائل التواصل الاجتماعي والتحدث إلى الليبيين، لا التحدث إليهم.

من شأن حملة إعلامية واسعة النطاق، والظهور على التلفزيون المحلي، والإجابة على الأسئلة علناً، وإشراك المؤثرين والصحفيين، أن تفعل ما يخشاه السياسيون الليبيون أكثر من غيره: مواجهة الشعب.

والأهم من ذلك، تحتاج تيتيه إلى تحالف من الوسطاء الموثوق بهم، وشخصيات ليبية تتمتع بذاكرة مؤسسية، ونفوذ محلي، ومصداقية عبر الانقسامات. بدونهم، ستستمر في الوقوع في نفس الفخاخ.

ثانيا: تصميم منتدى الـ 120″ بجدية

يمكن أن يكون منتدى الحوار المقترح المكون من 120 عضواً أقوى أداة لدى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إذا لم يكن مجرد تكرار للشكلية التي اتسم بها منتدى الحوار السياسي الليبي لعام 2021.

يجب أن يكون الاختيار دقيقاً ومتنوعاً ومتجذراً في التسلسلات الهرمية الاجتماعية والسياسية الحقيقية في ليبيا.

إذا تم ذلك بشكل صحيح، يمكن أن يخلق كتلة سياسية واجتماعية قوية بما يكفي لمواجهة النخب الراسخة وإعادة توجيه الحوار الوطني.

أما إذا تم بشكل سيء، فسيصبح مجرد تمرين دبلوماسي آخر يضيع في غياهب الشكوك.
التمثيل الحقيقي يعني اختيار ليس فقط من يوافق عليه السفراء، بل من يحترمه الليبيون فعلاً: شيوخ القبائل، والخبراء، والسياسيون الإصلاحيون، وقادة المجتمع، والأصوات الشابة القادرة على التأثير في الرأي العام والتنقل في الشبكات غير الرسمية في ليبيا.

ثالثا: وضع المعايير

لا يمكن للأمم المتحدة أن تطالب القادة الليبيين بالنزاهة إذا كانت عمليتها تفتقر إلى الشفافية. ادعوا وسائل الإعلام إلى قاعات الاجتماعات. أعلنوا معايير التدقيق. عاقبوا الفساد أو التلاعب علناً، وليس سراً.

أفضل طريقة لتشكيل الحكومة التي ستنبثق هي أن تكون نموذجاً للحوكمة التي تريدون تجسيدها.

رابعا: إعادة إحياء المجتمع المدني

إذا تم تنفيذ هذه العملية بشكل جيد، يمكن أن تعيد الحياة إلى المجال المدني المختنق في ليبيا. لقد تم تهميش العديد من الشخصيات الأكثر كفاءة في البلاد، من الصحفيين إلى الوسطاء المحليين، أو استمالتهم، أو إسكاتهم.

يمكن لمسار الأمم المتحدة الموثوق أن يوفر لهم الحماية والشرعية لإعادة الانخراط.
معسكرات ليبيا شرقاً وغرباً وجنوباً متشابهة أكثر مما تعترف به. لكل منها فلاسفتها، ومصلحو شؤونها، وجنودها، وخبرائها، وانتهازييها.

التحدي ليس في محو هذه الانقسامات، بل في استخلاص الأفضل من كل منها.

يمكن لمجموعة الـ 120 المختارة بعناية أن تفعل ذلك إذا تم توجيهها بالكفاءة، وليس بالمجاملة.

الخلاصة:

مشكلة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ليست في القدرة، بل في الشجاعة. إذا استطاعت تيتيه مواجهة الرأي العام الليبي، وإعادة بناء الثقة من خلال العمل، وتصميم عملية يُنظر إليها على أنها عادلة، فقد تحقق ما لم يستطع أي من أسلافها تحقيقه.

أي أن تجعل الليبيين يؤمنون بأن الأمم المتحدة تقف أخيراً في صفهم.
_______________

مقالات مشابهة