ماهر الملاّخ

لم يعد السؤال المطروح اليوم، في المغرب وخارجه: لماذا خرج الشباب المغربي في حراكهم أخيراً؟ بل غدا: ما مدى احتمال أن يصبح هذا الحراك ملهماً لبقية شباب المنطقة الذين يلتقون معهم في الشروط نفسها؟

فالحراك الذي فجّره جيل زد لم يكن سياسياً بالمعنى التقليدي، بل أخلاقياً ورمزياً، أقرب إلى فعلٍ جماعيٍّ من أجل استعادة المصداقية المفقودة بين الدولة والمجتمع.

لقد قدّم المغرب من خلال هذا الحراك درساً غير معلن في السياسة، فالفئة الاجتماعية التي تظنّها الدولة خارج حسابات السياسة قد تصبح في لحظة الرقم الأصعب في جدول أعمالها.

وعندئذ يصبح السؤال: هل من الممكن أن تمتدّ هذه العدوىإلى بقية الدول العربية كما امتدّت من قبل عدوىالربيع التونسي؟

للإجابة علينا أن نتأمل البنية العميقة لهذا الوعي الجديد من خلال شروط بنيوية شكّلت خلفية الحراك المغربي.

بعد أن هدأ صخب الشارع المغربي مؤقتاً، وبدأت الأسئلة تتجاوز اللحظة إلى ما بعدها، برز سؤالٌ يتجاوز حدود المغرب ليطلّ على الفضاء العربي بأسره

هل يمكن أن يتكرّر ما حدث في المغرب في دولٍ عربيةٍ أخرى؟

وهل تتوفّر في تلك الدول الشروط البنيوية نفسها التي تجعل انتقال عدوى الوعيممكناً، كما حدث بعد ربيع 2011، حين تحوّلت تونس من شرارةٍ محلّية إلى ظاهرةٍ إقليمية؟

ليس المقصود هنا انتقال الشعارات أو الأشكال التنظيمية، بل انتقال المزاج التاريخي نفسه: إحساس جيلٍ عربيٍّ كامل بأن زمن السلبية والانسحاب ولّى، وأن الكرامة لم تعُد مطلباً سياسياً، بل حقّاً وجودياً.

غير أن هذا الانتقال لا يمكن أن يحدُث تلقائياً، فهو مشروطٌ بتفاعل مجموعةٍ من العوامل البنيوية التي تُحدّد مدى قابلية أي مجتمعٍ عربي لاستقبال الحراك أو مقاومته.

ولأنّ الحراك المغربي لم يكن مجرّد انفجارٍ اجتماعي، بل هو تعبير عن نضجٍ في الوعي الجمعي، فإنّ فهم ظروف تشكّله يساعدنا على استقراء احتمالات تكراره في فضاءاتٍ أخرى.

من هنا، تأتي أهمية تفكيك الشروط البنيوية التي تُحدّد القابلية البنيوية للحراك العربي المعاصر: من البنية السوسيواقتصادية، إلى درجة انفتاح النظام السياسي، ومن حيوية المجتمع المدني إلى حضور الإعلام الحرّ، ومن طبيعة الوعي الشبابي إلى مواقف المؤسّسة الأمنية.

شروط بنيوية للحراك

بهذا المنظور، لا يعود السؤال: هل سيحدث الحراك في بلدٍ آخر؟ بل يصبح السؤال أعمق: هل بُنيت في هذا البلد الشروط التي تسمح للوعي أن يتحوّل إلى فعل؟ فالثورات لا تنتقل بالعدوى، بل تستيقظ حين تتكامل شروطها.

1. تراكم الإحباط داخل نظامٍ مرن:

الإحباط وحده لا يصنع ثورة، لكنه حين يتكوّن داخل نظامٍ مرنٍ ظاهرياً ومغلقٍ جوهرياً، يتحول طاقةً أخلاقيةً تبحث عن متنفّس.

والمغرب مثالٌ واضحٌ على ذلك: نظام سياسي يتيح التعبير لكنّه يبطئ التغيير. لقد أحدث هذا التناقض نوعاً من المرونة المأزومة التي جعلت الشباب يشعرون بأن الدولة تسمعهم من دون أن تفهمهم.

إنهم يعيشون في فضاءٍ يُتاح لهم فيه القول، لكن الفعل فيه يؤجّل، ومن هنا وُلد الحراك المغربي تعبيراً عن إرادةٍ لإعادة الانسجام بين الخطاب والممارسة.

وفي العالم العربي، تتكرّر المعادلة نفسها في تونس والأردن ومصر بدرجاتٍ متفاوتة، حيث ورش الإصلاحات موجودة، لكن نتائجها لا تواكب تطلّعات الأجيال الجديدة. وقدر من إمكان التعبير متوفّر، لكن لا أثر له في الإصلاح.

وهذا ما يمثل حالة الحقّ في الصراخ.

الحراك الذي فجّره جيل زد لم يكن سياسيًا بالمعنى التقليدي، بل أخلاقياً ورمزياً

2. جيل رقمي موحّد الوعي:

في الحراك المغربي ظهر لأول مرة جيلٌ عربي يعيش بالكامل داخل الفضاء الرقمي. جيلٌ يتلقى معرفته ويتشكل وعيه عبر المنصّات لا المدارس، عبر الميمات لا الشعارات.

إنه جيلٌ عابرٌ للحدود، يرى في كل حدثٍ عالمي امتداداً لنفسه. لقد صنع جيل زدالمغربي احتجاجه من خوارزميات التواصل:

  • تعبئة بلا حاجة إلى تنظيم،
  • وتحرّك من دون حاجة إلى زعيم،
  • وحركةٌ تتغذّى على تشارك المعاناة،
  • لا على تشارك الأيديولوجيا.

لم تعد هذه الظاهرة مغربيةً فحسب، فقد أصبحت اللغة السياسية المشتركة بين الشباب العرب من تونس إلى الأردن مروراً بلبنان ومصر.

إنها ثورة الوعي الشبكي الذي يُسقط الوسائط التقليدية ويصنع جماعةً رمزية جديدة.

3. تآكل شرعية النخب لا الرمز

لم يهاجم الشباب المغربي الدولة ولا رموزها القصوى، بل هاجموا النخب التي احتكرت الخطاب باسمها.

إنه انفلاتٌ سلسٌ من جلباب الوصاية، فالجيل الجديد يميّز بين الدولة بوصفها مؤسّسةً ضروريةً والنخبة التي استغلت مواقعها فيها.

من هنا وُلدت مفارقة فريدة: نقدٌ جذري للنخب مع توقير عميقٍ للوطن.

4. انهيار القنوات الوسيطة:

فقدت الأحزاب والنقابات والإعلام قدرتها على تمثيل الناس، لكن الفراغ لم يبقَ فراغاً؛ فقد ملأه المجتمع نفسه عبر المنصات الرقمية.

لم تعد هناك حاجة إلى وسيطٍ يتكلم باسم أحد.

تحوّل المواطن إلى ذاتٍ ناطقة، وصار الـهاشتاغهو موقع الاحتشاد، والمجتمع الشبكي هو قبة البرلمان. هذه القطيعة مع الوسائط التقليدية جعلت الحراك المغربي عصيّاً على الاحتواء، لأنه بلا رأسٍ ولا جسد، بل شبكةٌ مفتوحة تتنفس بحرية، تستعصي على التحكّم.

5. تحوّل المطالب من المادة إلى القيمة:

لم يعد الحراك صراعاً بالأساس على سعر الخبز وكمّية الحصول عليه، بل غدا الإلحاح على قيمة الخبز وكيفية الحصول عليه.

جيل زدلا يطلب وظائف بقدر ما يطلب كرامةً واحتراماً.

لقد تحوّلت العدالة من مفهومٍ اقتصادي إلى سؤالٍ أخلاقي:

هل الدولة صادقة مع مواطنيها؟

هل توازي وعودها أفعالها؟

هذا التحوّل من المعيشي إلى المعنوي جعل الاحتجاج المغربي لحظةً من الوعي لا من الغضب. وفي بقية الدول العربية، بدأ هذا التحوّل يظهر في تونس ولبنان والأردن ومصر، حيث يتحدّث الشباب عن العدالة قيمةً لا منحةً، وعن المواطنة كرامةً لا هويةً.

6. الشرارة الأخلاقية:

تحتاج الحركات الاجتماعية جميعها إلى حدث يوقظ الضمير.

في المغرب، كانت الشرارة أخلاقيةً خالصة، لحظة وعيٍ جمعي بأن الصمت لم يعد خياراً. إنها تلك النقطة التي يتحوّل فيها الخوف إلى غضب، واللامبالاة إلى الشعور بالمسؤولية، ومن ردّة الفعل إلى المبادرة.

هذا ما جعل الحراك المغربي أكثر من احتجاجٍ اجتماعي، بل هو فعل رمزي لإعادة تطهير المجال العام من الابتذال. وفي بقية العالم العربي، يمكن أن نرى الشرارات الأخلاقية تتشكل في تونس ولبنان والأردن بطرقٍ مختلفة تقول الشيء ذاته: إن الإنسان لا يثور على الفقر فحسب، بل على الإهانة (الحكرة).

الفئات المشتركة في الشروط البنيوية

حين تكتمل الشروط البنيوية للحراك في بلدٍ ما، تبدأ الأسئلة في محيطه الإقليمي في التكاثر:

هل سيبقى الحراك محليّاً أم سيتحوّل إلى عدوىمعرفية تعبُر الحدود؟

وهل تملك المجتمعات العربية الأخرى ما يكفي من المناعة أو القابلية لاستقبال هذا النوع من الوعي الجديد؟

لم يكن الحراك المغربي عابراً، لأنه كشف نضوجاً في الوعي أكثر مما كشف توتّراً في الشارع. ومن ثمّ، لا تقاسُ ردّة صداه في المنطقة بمدى التشابه السياسي بين الدول، بل بعمق البنية الاجتماعية والقيمية التي تسمح بانتقال الوعي المغربيإلى بيئاتٍ أخرى، فالتحوّل لا يسافر بوسائل النقل، بل بوسائل المعنى.

وأثبتت التجارب السابقة، من تونس إلى بيروت إلى الخرطوم، أنّ ما يوحّد العرب لم يعد الشعارات الكبرى، بل الإحساس المشترك بانسداد الأفق، وغياب المصداقية.

ومن هنا، يمكن القول إنّ العدوىالمحتملة لن تكون عدوى ثوريةبل عدوى وعي، قوامها الشعور بأنّ التغيير لم يعد ترفاً، بل ضرورة وجودية.

يتبع

_____________

مقالات مشابهة