خالد البرعصي

في كل دول العالم، مهما كانت قوتها، تخضع الجيوش الوطنية لرقابة مالية صارمة.

فالمؤسسة العسكرية في الدول الحديثة ليست فوق الدولة، بل هي جزء من مؤسساتها، لها ميزانية تُقرّ في البرلمان، وتُراجع من ديوان المحاسبة، وتُنشر أرقامها في تقارير رسمية تُسجّل الإيرادات والمصروفات ومصادر التمويل.

هذه المراجعة لا تُعد انتقاصًا من هيبة الجيش، بل دليلاً على أنه جيش وطني منضبط يخضع للقانون.

ففي الولايات المتحدة مثلاً، تُراجع وزارة الدفاع الأمريكية سنويًا أمام الكونغرس، وفي فرنسا تخضع القوات المسلحة لتدقيق محكمة الحسابات، وفي مصر تُدرج ميزانية الجيش في بنود الدولة وتُراجع من الأجهزة المختصة.

حتى في الدول النامية، لا يُسمح بإنفاق دينار واحد من المال العام دون وجود إذنٍ قانوني وتقرير محاسبي.

جيش بلا ميزانية معلنة

منذ أن سيطر خليفة حفتر على المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا، تحوّل ما يُسمى بـ “الجيش الوطني الليبي” الذي يضم العسكريين والميليشيات في شرق ليبيا وجنوبها، إلى مؤسسةمغلقة تمامًا أمام الرقابة والمساءلة.

لم يصدر عنه تقرير مالي واحد، ولم تُراجع مصروفاته، ولا أحد يعلم من أين تأتي الأموال ولا إلى أين تذهب.

فبينما تُلزم كل المؤسسات العسكرية في العالم بتقديم بيانات واضحة عن رواتب الجنود ومصاريف التسليح والعمليات، يكتفي جيش حفتر بالسرية المطلقة، ويعامل المال العام كما لو كان ملكية خاصة.

وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: حين يغيب الحساب، يغيب الوطن.

جيش أم شركة عائلية؟

لقد أصبح جيش حفتر نموذجًا لما يسميه علماء السياسة “الجيش المخصخص” جيشٌ يتبع شخصًا لا دولة، وتُدار موارده عبر شبكة مالية غامضة تتداخل فيها التجارة، والتهريب، والعقود غير المعلنة، ومساهمات رجال أعمال موالين.

هذه ليست خصائص مؤسسة عسكرية وطنية، بل خصائص عصابة منظّمة أو شركة عائلية فوق القانون وفوق الدولة.

العصابات وحدها هي التي لا تُراجع ميزانياتها، لأنها لا تفرّق بين المال العام والمال الشخصي.

العصابات وحدها هي التي لا تخضع للمحاسبة، لأنها تعتبر نفسها فوق القانون.

أما الجيش الحقيقي، فهو الذي يُحاسب نفسه قبل أن يحاسبه غيره.

الشرف العسكري

يُقال في الحكمة القديمة: “المال السائب يُعلّم السرقة.” وحين تصبح أموال الجيش بلا حساب، يصبح الفساد هو النظام لا الاستثناء.

منذ عام 2014، لم يعرف الليبيون حجم الإنفاق العسكري في الشرق، ولا كم من المال صُرف على السلاح، أو المرتبات، أو الحملات العسكرية.

وفي المقابل، تُقدّر تقارير دولية أن مئات الملايين أُنفقت خارج أي رقابة أو قانون.

وهكذا، بدل أن تكون المؤسسة العسكرية درع الوطن، تحوّلت إلى جيب خاص لقيادتها.

لا ثقة في جيش لا يُحاسب

المراجعة ليست عداءً للجيش، بل ضمانة لهيبته وشرعيته. والشفافية ليست ضعفًا، بل عنوان القوة.

لكن حين يُغلق الجيش أبوابه في وجه الدولة، ويتعامل مع المال العام كغنيمة حرب، فهو لا يختلف عن العصابات التي تقتات من الفوضى.

لقد جرّب الليبيون “الجيش غير الخاضع للمساءلة”، وكانت النتيجة: فساد، وقمع، وفقدان للدولة.

ومن لا يتعلم من التاريخ سيظل أسيره إلى الأبد.

أعرف أن لحفتر أنصارا يدافعون عنه بدون أي عقلانية أو منطق، وهذا حال العواطف الجياشة والعناد، وهي من مميزات شعبنا العظيم، ولكن سواء أحببت حفتر أو كرهته، فهذه هي الحقائق التي تدار بها كل دول العالم، والدفاع المتشنج وتغطية الشمس بالغربال لن تفيد، ولن تمنع من سقوط حفتر وعصابته ولو بعد حين.

___________



مقالات مشابهة