محمد نورالدين فكيرين
لم تعد الأزمة الليبية مجرد تنازع على سلطة أو مقعد في مشهد سياسي مأزوم، بل غدت انعكاسا لخلل أعمق في الوعي الجمعي الليبي تجاه مفهوم الدولة والسياسة.
ما يجري في ليبيا ليس مجرد صراع بين حكومات متناحرة، أو أجسام سياسية متصارعة على الشرعية، بل هو انعكاس لغياب البوصلة الكبرى التي كان ينبغي أن تهدي هذه الأمة نحو إدراك جوهر الدولة ووظيفتها.
إن المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، وإنما في العقلية التي أنتجت هذا الواقع، عقلية ما زالت تتعامل مع السياسة باعتبارها ساحة للمغانم لا مشروعا وطنيا يقتضي التضحية وبذل الجهد من أجل مستقبل الأجيال.
لعل أخطر ما يضاعف هذه الأزمة هو التدخل الخارجي الذي لم يغب يوما عن المشهد الليبي، فمنذ سقوط النظام السابق تحولت ليبيا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية
لقد تحولت السياسة في ليبيا منذ أكثر من عقد إلى لعبة بلا قواعد، وأصبح الانتماء للأجسام والمليشيات والولاءات الضيقة بديلا عن الانتماء للوطن، فحين يتحول مفهوم الدولة من كيان جامع يحفظ الكرامة ويوحد المصير، إلى مجرد غنيمة يتقاسمها اللاعبون، فإن الوطن كله يصبح رهينة لهذا المنطق، وهو ما حدث بالفعل حين أُُفرغت مؤسسات الدولة من مضمونها، وصارت كيانا هشا يتنازع عليه الجميع، دون أن يمتلك أي طرف مشروعا جامعا يعلو فوق الاعتبارات الشخصية أو الجهوية.
وإذا كان الساسة قد تبادلوا المناصب وتصارعوا على الشرعية، فإن المجتمع الليبي بكل ثقله ظل في موقع المتفرج! قد يكون ذلك نتيجة إرهاق طويل من الحروب، وقد يكون انعكاسا لضعف البنية المدنية والمؤسساتية التي تمكّن الشعوب عادة من محاسبة قادتها، لكن المؤكد أن غياب الفعل الشعبي الواعي سمح للعبث أن يتجذّر، وجعل الساسة أكثر تحررا من أي رادع أو مسؤولية، وهنا يبرز السؤال الجوهري:
كيف يمكن لأمة أن تنهض ودورها الجماعي مغيب، وإرادتها السياسية محتجزة بين قوى متصارعة؟
إن من أكبر التحديات التي تواجه ليبيا اليوم هو ذلك الانفصال بين المجتمع والدولة، فالدولة كما يُفترض هي التعبير المؤسسي عن إرادة الأمة، ولكن حين تغيب هذه الإرادة تصبح الدولة مجرد هيكل بلا روح.
وما نراه اليوم من انقسامات سياسية وعسكرية ليس إلا انعكاسا لفراغ داخلي أعمق: فراغ في الوعي وفي الثقافة السياسية، وفي إدراك معنى الدولة الحديثة.
وبدل أن يتشكل العقل السياسي الليبي على أساس المصلحة العامة، ظل أسير الولاءات الضيقة، ومشدودا إلى إرث قبلي يُستحضر عند كل أزمة، حتى غدت الهوية الوطنية في كثير من الأحيان مجرد شعار يُرفع عند الحاجة، لا مشروعا حقيقيا يوحد الصفوف.
ولعل أخطر ما يضاعف هذه الأزمة هو التدخل الخارجي الذي لم يغب يوما عن المشهد الليبي، فمنذ سقوط النظام السابق تحولت ليبيا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، فالدول الكبرى والإقليمية لم تأتِ لتبني الدولة، بل لتستثمر في الانقسام وتعمق الشرخ الداخلي بما يخدم مصالحها.
وهكذا صارت السيادة الوطنية رهينة لخرائط النفوذ، وغدت القرارات السيادية الكبرى تُصاغ في عواصم أخرى أكثر مما تصاغ في طرابلس أو بنغازي.. إن غياب الرؤية الوطنية الجامعة جعل من البلاد مجالا للمساومة، وأفقدها القدرة على فرض إرادتها على العالم.
لكن، وعلى الرغم من كل ذلك، فإن الأزمة الليبية ليست أمرا محتوما، وإنقاذ ليبيا لا يبدأ من مصالحة فوقية بين الساسة وحدهم، ولا من اتفاقات توزع المناصب على الأطراف المتصارعة، وإنما من إعادة بناء العقل السياسي الجمعي للأمة.
إن ليبيا اليوم تقف عند مفترق طرق حاسم: فإما أن تبقى أسيرة دوامة الصراع، رهينة لمعادلات النفوذ الخارجي، وإما أن تستعيد عقلها الجمعي وتبني مشروعها الوطني الجامع.
إن أي مصالحة لا تؤسس لوعي جديد ستظل هشة، وأي اتفاق لا ينبع من إدراك المجتمع لمعنى الدولة سيظل ورقة مؤقتة تُطوى عند أول أزمة جديدة، ولعل ما تحتاجه ليبيا أكثر من أي وقت مضى هو مشروع وطني جامع يعيد تعريف السياسة باعتبارها مسؤولية تجاه الأمة لا مكسبا شخصيا، ويؤكد أن السلطة وسيلة لبناء المؤسسات لا غاية في ذاتها.
إن الليبيين مطالبون اليوم بأن يدركوا أن الدولة ليست شيئا معلقا في السماء، بل هي انعكاس لوعيهم وإرادتهم؛ فإن هم قرروا أن يظلوا أسرى للتجاذبات القبلية والجهوية، ستظل الدولة غنيمة بيد الأقوى، أما إن استعادوا وعيهم الجمعي، وأدركوا أن المستقبل لا يُبنى إلا بالعقل المشترك، فإن ليبيا ستجد طريقها من جديد؛ فالأوطان لا تنهض بالمبادرات الخارجية ولا بالمجالس السياسية المؤقتة، وإنما بوعي الأمة وإرادتها في صناعة مستقبلها.
إن جوهر الأزمة الليبية ليس في الأسماء التي تتصارع على الحكم، بل في البنية العميقة للوعي السياسي، ولئن كانت السنوات الماضية قد أرهقت البلاد بعبث الساسة، فإن السنوات القادمة لن تمنح فرصة جديدة إلا لأولئك الذين يقررون أن يعيدوا صياغة العلاقة بين الأمة والدولة على أسس صحيحة.
إن ليبيا اليوم تقف عند مفترق طرق حاسم: فإما أن تبقى أسيرة دوامة الصراع، رهينة لمعادلات النفوذ الخارجي، وإما أن تستعيد عقلها الجمعي وتبني مشروعها الوطني الجامع، ولا شك أن الخيار الثاني هو الأصعب، لكنه أيضا الوحيد القادر على إنقاذ الدولة من الضياع.
إن ليبيا بين وعي الأمة وضياع الدولة تقف اليوم أمام امتحان عسير، امتحان يختبر قدرة هذا الشعب على أن يتجاوز جراحه وينهض من كبوته
إن الأمة التي تعي ذاتها وتدرك دورها هي التي تستطيع أن تصنع دولتها، وتفرض احترامها على الآخرين، وليبيا برغم جراحها العميقة تملك من الإمكانات البشرية والثروات الطبيعية والموقع الإستراتيجي ما يجعلها قادرة على النهوض إذا استعاد شعبها وعيه، لكن هذا الوعي لا يُستورد من الخارج، ولا يُمنح كهبة من قوة كبرى، بل يُبنى من الداخل، من ثقافة سياسية جديدة، ومن إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق والواجبات.
إن ليبيا بين وعي الأمة وضياع الدولة تقف اليوم أمام امتحان عسير، امتحان يختبر قدرة هذا الشعب على أن يتجاوز جراحه وينهض من كبوته، ولئن كان الماضي قد أثبت أن الصراعات والولاءات الضيقة لا تبني دولة، فإن المستقبل يحتاج إلى عقل جديد وإلى إرادة تتجاوز حدود القبيلة والمدينة والمليشيا لتبني وطنا جامعا.
إن الخيار ليس في يد الساسة وحدهم، بل في يد الأمة كلها، فهي التي تقرر ما إن كانت ستظل رهينة للضياع، أم ستكتب فصلا جديدا في تاريخها، فصلا يؤكد أن الوعي هو بداية كل نهضة، وأن الدولة لا تُبنى إلا حين تنهض الأمة أولا.
_____________
