أمين أيوب

هذا المبلغ يكفي من الثروة الوطنية لأكثر من ثلاثة أضعاف إنفاق ليبيا المُجمّع على الرعاية الصحية والتعليم.

إنّ حجم الجريمة مُذهل، يكاد لا يُصدّق: ما يُقدّر بعشرين مليار دولار سُرقت من الشعب الليبي في ثلاث سنوات فقط.

ولوضع هذا الرقم في سياقه الصحيح، فإنّ هذا المبلغ الهائل، الذي فُقد بسبب تهريب الوقود المُرخّص من قِبَل الدولة بين عامي 2022 و 2024، يكفي من الثروة الوطنية لأكثر من ثلاثة أضعاف إنفاق ليبيا المُجمّع على الرعاية الصحية والتعليم.

هذه الخيانة الفادحة، المُفصّلة في تقرير ذا سينتريالاستقصائيّ المُثير للجدل، عملية من الداخل: تصاعد تهريب الوقود في ليبيا، تكشف أنّ ليبيا لا تُنهب من قِبَل قوى خارجية، بل تُنهب بشكل مُمنهج من الداخل من قِبَل القادة السياسيين والأمنيين أنفسهم الذين يدّعون خدمة الشعب.

هؤلاء اللصوص المنبوذون، المهندسون الرئيسيون لصناعة تهريب بمليارات الدولارات، حوّلوا برنامج الدعم الوطني إلى سلاحٍ للفساد.

ذا سينتري، منظمة تتعقب الفساد الكبير لتعطيل الشبكات المفترسة متعددة الجنسيات المستفيدة من الصراع العنيف، تكشف حقيقةً جوهريةً عن فوضى ليبيا: التنافس السياسي واجهةٌ مربحة.

فبينما تبدو الشبكات المرتبطة بعائلة حفتر في الشرق والشخصيات المتحالفة مع عائلة الدبيبة في الغرب خصومًا لدودين، فإنهم في الواقع المستفيدون الرئيسيون من ميثاق إجرامي مُنسّق.

صراعهم ليس سوى وسيلةٍ للإلهاء، تسمح لهم بتقسيم ثروة البلاد وترسيخ وضعٍ راهنٍ فاسدٍ يكافئ النخبة ويجوع السكان.

استندت هذه السرقة واسعة النطاق إلى تحولٍ متعمد في السياسة في عام ٢٠٢١ من قِبل المؤسسة الوطنية للنفط، الكيان الذي تُشكّل صادراته من الهيدروكربونات مُعظم دخل ليبيااستبدلت المؤسسة الوطنية للنفط أساليب الشراء السابقة بآلية مبهمة لمبادلة النفط الخام بالوقود.

ومن خلال إبقاء هذه المقايضات خارج الميزانيات العمومية، تحررت المؤسسة الوطنية للنفط فجأة من القيود المالية، مما أدى إلى انفجار واردات الوقود.

فقد ارتفعت من حوالي 20 مليون لتر يوميًا في أوائل عام 2021 إلى ذروة تجاوزت 41 مليون لتر يوميًا بحلول أواخر عام 2024. لم يكن هذا التضاعف في الواردات مدفوعًا بحاجات محلية حقيقية، بل بفرصة مربحة للمقارنة والترجيح.

بدلاً من ذلك، تم سحب الوقود المكرر، المخصص للاستهلاك المحلي بأسعار مدعومة بشدة وقريبة من الصفر، أكثر من نصف إجمالي المشتريات وإعادة بيعه في الخارج بأسعار سوق البحر الأبيض المتوسط ​​​​الواسعة النطاق لتحقيق أرباح فلكية.

أدت هذه الآلية إلى زعزعة استقرار البلاد هيكليًا، مما كلّف الدولة حوالي 6.7 مليار دولار في عام 2024 وحده. من خلال تعظيم واردات الوقود، قللت الدولة من كمية النفط الخام التي يمكنها بيعها مقابل العملات الأجنبية الأساسية، مما أدى إلى عجز في العملة الصعبة أبلغ عنه مصرف ليبيا المركزي، وأدى إلى انخفاض قيمة الدينار وتضخم أسعار المستهلكين.

يتطلب تنفيذ هذه السرقة الواسعة النطاق حماية عسكرية وعبقرية لوجستية.

في الشرق، عزز صدام حفتر، الابن الطموح للمشير خليفة حفتر، سيطرته على كل من عمليات التهريب البحري والطرق البرية الحيوية الممتدة في عمق أفريقيا جنوب الصحراء الكبرىاستغل منصبه داخل القوات المسلحة العربية الليبية لإعادة تشكيل القطاع، وطمس الخطوط الفاصلة بين الأنشطة المشروعة وغير المشروعة.

يمتد اللوم بنفس القدر إلى شمال غرب ليبيا، حيث تلعب الجماعات المسلحة المرتبطة برئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة دورًا محوريًاينقل أمراء حرب مثل محمد كشلاف من الزاوية وعمر بوغدادة من مصراتة، وهو شخصية وثيقة الصلة برئيس الوزراء، كميات هائلة من الوقود.

في مصراتة، على سبيل المثال، يتصل مستودع وقود بالبحر عبر خط أنابيب تحت الأرض، ليشكل مركزًا لنقل الوقود بالشاحنات إلى أسواق جنوب الصحراء الكبرى مثل تشاد والنيجر.

وقد مكّنت هذه السنوات من الأرباح غير المشروعة الطائلة هذه الشخصيات النافذة، المتمركزة في طرابلس وبنغازي على حد سواء، من توسيع نفوذها عبر المؤسسات الرسمية الرئيسية، بما في ذلك المؤسسة الوطنية للنفط نفسها.

تتجاوز تداعيات هذه الجريمة على مستوى الدولة حدود ليبيا، محولةً البلاد إلى مركز لوجستي لعدم الاستقرار العالميويثبت تحقيق سينتريوجود روابط مباشرة بين الفساد السياسي الليبي والصراع العالمي.

ويُحوّل الوقود المدعوم المسروق إلى شبكات عسكرية أجنبية، مما يُفيد الوحدات العسكرية الروسية العاملة في ليبيا ومالي بشكل نشطوالأخطر من ذلك، أن هذا التلوث المالي يُفيد قوات الدعم السريع التي تُمارس الإبادة الجماعية في السودان.

تستخدم ليبيا، من خلال جشع نخبتها، ثروتها الوطنية بفعالية لتمويل عمليات جهات ترتكب فظائع وتُطيل أمد الحرب الأهلية المروعة في السودانبينما تُرسّخ النخبة اللصوصية نفوذها، يدفع الليبيون العاديون ثمنًا باهظًايُسبّب استنزاف أكثر من نصف الوقود نقصًا حادًا في الكهرباء المحلية ومخاطر انقطاعات عامة.

في المناطق النائية، يُجبر المواطنون الذين كان من المفترض أن يخدمهم الدعم على دفع أسعار باهظة، تصل أحيانًا إلى أربعين ضعف السعر الرسمي للبنزين والديزل الأساسيين في منافذ غير رسمية.

الخراب ليس اقتصاديًا فحسب. فقد أدى نقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات الأساسية إلى عواقب مأساوية ومميتة، مما ساهم في وفاة المرضى والمواليد الجدد في المستشفيات أثناء انقطاع التيار الكهربائي.

تربح النخبة السياسية مرتين: أولًا بسرقة الدعم، وثانيًا بإجبار السكان على شراء ما ينقصهم بأسعار السوق السوداء المتضخمة للغاية.

الأدلة دامغة والتكلفة باهظة لا يمكن تجاهلها. يتطلب الأمر اتخاذ إجراءات دولية فورية وحاسمة. يجب على الشركاء الدوليين الإصرار على إصلاح اقتصادي هيكلي قوي لتعطيل نموذج الأعمال الإجرامي تمامًا.

يجب على حكومة الوحدة الوطنية إلغاء برنامج دعم الوقود المربح تدريجيًا واستبداله بمنحة نقدية مباشرة تُصرف للأسرسيؤدي هذا التحول إلى إزالة الحافز المالي للمراجحة فورًا، مما يُقلل من قيمة الشبكة غير المشروعة.

في الوقت نفسه، لا بد من فرض عقوبات دولية حاسمة وإجراء تحقيق مدعوم غربيًا لضمان تحديد هوية السياسيين ومسؤولي النفط المسؤولين عن تدبير سرقة العشرين مليار دولار ومحاسبتهم.

فبدون تدخل دولي فاعل، ستواصل هذه الشبكات استخدام ثرواتها الهائلة غير المشروعة لترسيخ وجودها، مما يضمن أن تظل معاناة الشعب الليبي مجرد رأس مال لإمبراطوريتهم الفاسدة.

___________

مقالات مشابهة