د. أبوبكر أبوجرادة

تمر ليبيا اليوم بمنعطف حرج يفرض عليها إعادة النظر في خياراتها القيادية. فالصراع ليس صراع أفراد على سلطة، بل هو صراع بين نموذجين للقيادة:

.نموذج رجل الدولة الحقيقي الذي يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار

ونموذج السياسي المحترف الذي لا يهمه إلا مصالحه الشخصية والفئوية الضيقة.

إنّ المرحلة الانتقالية الطويلة والهشاشة السياسية والأمنية تُبرز الحاجة المُلحة لرجال دولة حقيقيين قادرين على انتشال البلاد من مستنقع الانقسام والتشرذم، ووضعها على طريق البناء والاستقرار.

الفرق الجوهري: الرؤية والغاية

الفرق بين رجل الدولة والسياسي المحترف ليس فرقًا في المنصب أو اللقب، بل هو فرق في الرؤية والغاية التي يسعى كل منهما لتحقيقها:

أولا، رجل الدولة الحقيقي: البوصلة الوطنية

رجل الدولة هو قائد يتمتع ببعد نظر استراتيجي، يعيش من أجل الوطن ويتطلع إلى المستقبل. صفاته الأساسية هي:

الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد:

ينظر إلى الأجيال القادمة، وليس إلى الانتخابات القادمة. يتخذ القرارات الصعبة التي قد تكون غير شعبية في الوقت الراهن، ولكنه يعلم يقيناً أنها ضرورية لبناء الدولة واستقرارها على المدى الطويل.

الولاء المطلق لمصلحة الدولة:

هدفه الأسمى هو الحفاظ على مصالح ليبيا العليا، ووحدة ترابها، واستقرار مؤسساتها. يضع مصلحة الوطن فوق مصالح قبيلته، منطقته، أو حزبه.

النزاهة والاستقامة:

يرفض الاقتيات على فتات السلطة، ويتحلى بشفافية عالية، ولا يخاف في الحق لومة لائم. إن قراراته تنبع من ضميره الوطني الصادق.

فن التوافق والمصالحة:

يمتلك القدرة على تجاوز الخلافات الحزبية والهوية والقبلية ، ويسعى إلى لم شمل الليبيين وإرساء أسس المصالحة الوطنية الحقيقية العميقة والشاملة والعدالة الانتقالية، مدركًا أن بناء الدولة لا يتم إلا بالوحدة.

الجرأة على اتخاذ القرار:

لا يتردد في اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة ببناء الجيش والأمن الموحد، وتوحيد المؤسسات المالية، ووقف نزيف الهدر والفساد، حتى لو كان ذلك على حساب شعبيته أو علاقته ببعض مراكز القوى.

ثانيا، ​السياسي المحترف: البحث عن الامتيازات

على النقيض، السياسي المحترف في السياق الليبي الراهن هو في الغالب شخص انتهازي يسعى لاستغلال منصبه لأجل مكاسب شخصية أو فئوية سريعة. سماته تتلخص في:

التركيز على المكاسب الآنية:

يهدف إلى البقاء في السلطة والحصول على الامتيازات، وتسييل (تحويل) النفوذ السياسي إلى مكاسب مادية سريعة له ولجماعته.

الاستقطاب والتجييش:

يعتمد على خطاب التفرقة والجهوية والمناطقية لضمان ولاء قاعدته، ويهدف إلى إقصاء الآخر بدلًا من التعاون معه.

الخضوع لمراكز القوى:

يفضل امتيازات السلطة على احتياجات السكان، وقد يتنازل عن الكثير من سلطة الدولة للميليشيات والوسطاء القبليين لضمان بقائه في المنصب.

غياب الرؤية أو سطحيتها:

يكتفي بالشعارات الرنانة والوعود البراقة، لكنه يفتقر إلى برنامج عمل حقيقي ومستدام لإصلاح الدولة. هو رجل “المهمات القذرة” والمناورات السياسية البهلوانية.

تغليب المصالح الشخصية على الوطن:

يصبح جزءًا من شبكة توزيع سرية تستفيد من عائدات النفط، مما يكرس الفساد والجمود المناهض للديمقراطية.

ماذا تحتاج ليبيا اليوم؟

في خضم التعقيدات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، لم تعد ليبيا تحتمل المناورات الحزبية والسياسيين الذين يتاجرون بقضيتها. إنها بحاجة ماسة إلى:

توحيد المؤسسات:

رجل دولة حقيقي يضع خارطة طريق لإنهاء ازدواجية المؤسسات (المالية، الأمنية، الإدارية) بين الشرق والغرب، والعمل على بناء جيش وشرطة موحدين ومهنيين.

مكافحة الفساد:

قيادة لديها الإرادة السياسية لاستعادة ثقة الشعب في مؤسسات الدولة، ومحاربة شبكات الفساد المترسخة التي تعتمد على النظام المالي الريعي.

المصالحة والعدالة الانتقالية:

شخصية قادرة على إطلاق مسار عدالة انتقالية شاملة، تضمد الجراح، وتحقق الحقيقة، وتكشف الحقائق للشعب الليبي.

السيادة والقرار الوطني:

رجل دولة يمتلك القدرة على إبعاد الأطراف الليبية عن سياسات الاستقطاب التي تمارسها القوى الخارجية، ويحمي القرار الليبي من التدخلات.

إن رجل الدولة الحقيقي في ليبيا اليوم هو مهندس البناء الوطني، الذي لا يخشى أن يفقد منصبه في سبيل مصلحة وطنه، بينما السياسي المحترف هو المُعيق الأكبر لبناء الدولة، لأنه يفضل استدامة الأزمة لضمان امتيازاته.

لا يمكن لليبيا أن تخرج من مأزقها إلا بوعي شعبي يرفض الرويبضة والمتاجرين، ويصنع ويقدم قادة وزعماء حقيقيين يتحملون المسؤولية الوطنية بصدق واستقامة.

_____________

مقالات مشابهة