طارق القزيري

تنتشر في الفضاء الليبي موجة من التحليلات التي تُصور الاقتصاد على حافة الانهيار، وتُنذر بإفلاس قادم، وتستخدم لغة «الكارثة الوشيكة» لتحريك الرأي العام.

وبقدر ما تحمل هذه التحليلات من تشخيص صائب لأزمات هيكلية متراكمة، فإنها تقع في فخ التهويل الذي يُضعف مصداقيتها، ويُحولها من أوراق تحليلية إلى خطابات تعبوية.

فقضية انتظار توقيت إعلان الانهيار الاقتصادي في ليبيا مبالغة غير ممكنة التمرير مبدئيا. صحيح أن ليبيا تعاني أزمة إدارة و حوكمة وانقسام مؤسسي عميق، قادت لدورة فساد ونهب قياسية، لكنها ليست دولة مُفلسة، ولا تعاني اقتصادا على وشك الانفجار.

الاحتياطي الضخم.. حقيقة لا يمكن تجاهلها

من يتحدث عن انهيار اقتصادي وشيك عليه أن يُفسر كيف يمكن لدولة تمتلك احتياطيا من النقد الأجنبي يتجاوز 98 مليار دولار أن تُفلس في المدى القريب. هذا الاحتياطي، الذي يُعد من أعلى المعدلات عالميا نسبة إلى حجم الاقتصاد، يمنح النظام المالي الليبي هوامش مناورة واسعة، لامتصاص الصدمات.

مع العلم للأسف أن استنزاف هذا الاحتياطي لتغطية فجوات الإنفاق ليس استراتيجية مستدامة، لكنه يعني أيضا أن الحديث عن انهيار فوري أو إفلاس قريب لا يستند إلى أرضية اقتصادية صلبة.

الدَّين الخارجي الليبي يكاد يكون معدوما مقارنة بدول المنطقة، وهذا يُبقي الدولة بعيدة عن سيناريوهات أزمات الديون السيادية التي ضربت اقتصادات أخرى.

لا يعني التشديد على ضخامة الاحتياطيات وضعف الدَّين الخارجي القول إن ليبيا في وضع مالي مريح أو محصن من المخاطر. المقصود على العكس تماما، هذا الهامش من القدرة ما زال قائما اليوم، لكنه قابل للتآكل بوتيرة سريعة إذا استمر الإنفاق الحالي بلا إصلاح، ومع أي صدمة في أسعار النفط أو إغلاقات جديدة أو اتساع في التهريب والفساد.

إنتاج النفط.. الأرقام تُغالط

يُروج بعض المحللين فكرة أن قطاع النفط في تدهور مستمر، وأن المليارات المُخصصة للمؤسسة الوطنية للنفط ذهبت هباء دون أي زيادة في الإنتاج. هذا الادعاء يتناقض صراحة مع البيانات الرسمية والدولية.

الإنتاج الليبي تجاوز 1.4 مليون برميل يوميا بنهاية 2024، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقد، مع طموحات للوصول إلى 1.6 مليون برميل بنهاية 2025. نعم، هناك تساؤلات مشروعة حول كفاءة الإنفاق في القطاع وشفافية العقود، لكن القول بأن الإنتاج لم يشهد أي زيادة قول يُجافي الواقع، ويُضعف مصداقية من يُردده.

الثلث المفقود.. تقدير سياسي لا رقما مُدققا

أما ما يقال عن «ثلث مفقود» من الإيرادات، أو عن سبعة مليارات دولار لا تظهر في حسابات المصرف المركزي، فهو تعبير انفعالي عن فجوة حقيقية، لكنه ليس توصيفا محاسبيا دقيقا.

الفارق بين القيمة النظرية للنفط المنتج وبين ما يدخل فعليا إلى حسابات المصرف يمكن تفسير جزء منه بعوامل فنية، من قبيل طريقة احتساب سعر الصرف، وفترات التسجيل، وتغطية فاتورة الوقود، والالتزامات المباشرة قبل تحويل الصافي.

لكن بقاء جزء من هذه الفجوة بلا تفسير موثق وشفاف يبقي باب الشك مفتوحا، ويجعل المطالبة بتدقيق مستقل في عقود البيع والوساطة وبرامج النفط مقابل الوقود مطلبا ملحا، حتى لا يتحول الرقم الانفعالي إلى ذريعة رسمية لدفن الأسئلة المشروعة.

الأزمة الحقيقية.. حوكمة لا إفلاسا

لا ينبغي أن يُفهم من هذا النقد على أنه إنكار للأزمة. ليبيا تعاني فعلا اختلالات هيكلية خطيرة: انقسام مؤسسي مستمر منذ 2014، وإنفاق موازٍ راكم دَينا داخليا يتجاوز 270 مليار دينار، وهيمنة الرواتب والدعم على الموازنة بنسبة تُصعب أي إصلاح، وغياب رقابة فعلية على المال العام.

تقارير صندوق النقد الدولي تُحذر من مخاطر التمويل النقدي، وتوسع الإنفاق دون موازنة موحدة، وهذه تحذيرات جدية لا ينبغي تجاهلها. لكن هذه الأزمة هي أزمة حوكمة وإدارة وانقسام سياسي، وليست أزمة إفلاس أو انهيار مالي وشيك.

الفارق جوهري: الأولى تتطلب إصلاحا سياسيا ومؤسسيا طويل المدى، والثانية تعني كارثة فورية لا مهرب منها.

التهويل الإعلامي.. من يستفيد؟

حين يُصاغ التحليل الاقتصادي بلغة الانهيار الوشيك والكارثة المحتومة، مع نداء تعبوي للرأي العام في الخاتمة، فإننا لم نعد أمام ورقة تحليلية، بل أمام موقف سياسي يستخدم الأرقام أداة.

هذا لا يعني بالضرورة سوء نية، لكنه يعني أن القارئ يجب أن يميز بين التشخيص الاقتصادي الرصين والخطاب السياسي المُلبس ثوب التحليل.

توزيع اللوم بالتساوي على «الدبيبة» و«حفتر»، وتصوير المنظومة كلها كعدو واحد، قد يبدو موضوعيا، لكنه في الحقيقة اختيار سياسي يخدم سردية بعينها: سردية الإصلاح الجذري أو التغيير الشامل، وهذا مشروع في ذاته، لكن السؤال في الوسائل ونجاعتها مشروع أيضا.

تآكل لا انفجارا

التآكل الذي يجري الحديث عنه ليس عملية محاسبية مجردة في دفاتر المصرف، بل مسار يمس تفاصيل الحياة اليومية لليبيين: كل نقطة تراجع في قيمة الدينار تعني تآكل الأجور الحقيقية، وارتفاع كلفة السلع الأساسية، وإضعاف قدرة الأسر على الادخار، ومزيدا من الضغط على الطبقة الوسطى الهشّة من الأساس، إن سلّم الجميع بوجودها أصلا.

ومع استمرار تحويل المال العام إلى رواتب زبائنية، ودعم غير عادل وامتيازات مغلقة، تصبح الخدمات الأساسية، من الصحة والتعليم والنقل والبنية التحتية، هي الضحية الصامتة.

هذه هي صورة «الأزمة المؤجلة».. لا انهيار فجائي في يوم واحد، يعلنه هذا أو ذاك، بل فقدان بطيء لما تبقى من وظائف الدولة لمصلحة شبكة مصالح ضيقة.

عموما، آخر ما يمكن إرادته أن أكون محامي الشيطان، وإن بدوت مدافعا عن الوضع القائم، فهذا سيكون هذا آخر مقاصدي، لكن أيضا نقد الموقف، أي موقف، هو خطاب سياسي، يحتاج تفكيكا، وتحليلا في الأغراض وفقا لواقع الحال، وكل القراءات سياسية، وإلا فقد الخطاب أهليته وغرضه وجدواه.

_____________

مقالات مشابهة