صابر بن عامر

من يتحكم بمسار خارطة الطريق الليبية؟
على مستوى خطاب البعثة الأممية في ليبيا، يتركز الحديث على ضرورة توحيد المؤسسات الليبية، والاتفاق على قاعدة دستورية وقوانين انتخابية شاملة، وتهيئة بيئة سياسية وأمنية تسمح بانتخابات ذات مصداقية، بما ينهي حالة الانتقال المفتوح منذ سنوات.
لكن في المقابل، تبدو تحركات مجلسي النواب والدولة منصبة على ترتيب المناصب السيادية وتوزيعها، بما في ذلك المفوضية والهيئات الرقابية، ضمن صفقات جزئية تقدم بوصفها “توافقاً وطنياً“.
بينما ينظر إليها خصوم هذا المسار على أنها إعادة تدوير للنخبة نفسها بأدوات جديدة، ومحاولة لضمان أن تظل مفاتيح العملية السياسية في أيدي الأجسام القائمة، حتى إن تغيرت الأسماء.
يرى أستاذ القانون العام، راقي المسماري، أن دعوة المستشار عقيلة صالح للإسراع بالانتخابات الرئاسية تأتي “تلبية لرغبة الشارع بعد خروجه للمطالبة بالذهاب إلى انتخابات رئاسية“، لكن المسماري يلفت إلى أن سلوك مجلسي النواب والدولة لا يعكس بالضرورة إرادة جادة في ترجمة هذه الدعوات إلى خطوات عملية.
ويقول المسماري لـ“عربي بوست” إن اتفاقات المجلسين “تبدو شكلية أكثر منها موضوعية“، موضحاً أن ما يحدث في كل مرة هو “المواربة والمخادعة، والاتفاق على الورق دون تنفيذ حقيقي؛ كل ما يفعلونه هو ركل الكرة إلى الأمام وتأجيل الاستحقاقات بدل حسمها“.
وفي قراءته لخارطة الطريق، يذهب المسماري إلى أن الملف الليبي جرى تقسيمه ضمنياً بين أطراف دولية، حيث تولت الولايات المتحدة معالجة الشقين الاقتصادي والأمني، فيما أسند للبعثة الأممية الشق السياسي.
ويشير المتحدث إلى أن واشنطن حققت تقدماً ملموساً في الجانب الاقتصادي، “بالوصول إلى تفاهمات حول تقاسم الصرف من الباب الثالث (باب التنمية)”، كما يبدو أن هناك تقدماً في الملف الأمني “من خلال تقاربات بين القوات المسلحة التابعة للقيادة العامة في الشرق وتشكيلات مسلحة من غرب البلاد، عقب إعلان واشنطن عن مناورات ليبية مشتركة برعايتها“.
وبناء على ذلك، يرى المسماري أن الرؤية الأمريكية تقوم على أن “الانتعاش الاقتصادي النسبي والاستقرار الأمني يساعدان على الوصول إلى اتفاق سياسي يضمن في النهاية الذهاب إلى الانتخابات“، وبالتالي تبدو البعثة الأممية غير مستعجلة في الملف السياسي، وهو ما يفسره بما وصفه “بطء تحركاتها وتصريحاتها السابقة التي اعتبرت أن نتائج الحوار المهيكل المزمع عقده ليست ملزمة بالضرورة“.
من جهته، يرى عضو اللجنة الاستشارية التي شكلتها بعثة الأمم المتحدة، المستشار كمال حذيفة، أن أي اتفاق حقيقي وفعال بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لإنهاء الانقسام السياسي والإداري سيكون مرحباً به، بشرط الالتزام به وتنفيذه على النحو الصحيح.
لكنه يذكر بأن ما جرى خلال السنوات العشر الماضية منذ توقيع اتفاق الصخيرات “لا يدعو إلى التفاؤل“، إذ لم يتمكن الطرفان، على حد تعبيره، من الوصول إلى تسوية في الملفات التي أوكلت إليهما، سواء ما تعلق بالترتيبات الأمنية أو الاقتصادية أو المناصب السيادية أو غيرها.
أما بخصوص اتفاق المجلسين على المناصب السيادية، فيراه حذيفة “اتفاقاً هشاً طال أمده ولم ينجح منذ مفاوضات بوزنيقة وما بعدها“، لأن التسوية السياسية الشاملة والمصالحة الدستورية الناجعة لإخراج البلاد من المراحل الانتقالية المتعددة “لم تبرم أصلاً بين المجلسين“.
ويضيف عضو اللجنة الاستشارية التي شكلتها بعثة الأمم المتحدة أن استكمال مجلس إدارة المفوضية أو إعادة تشكيله “طرح أصلاً كشرط من اللجنة الاستشارية، وكان ينبغي الانتهاء منه في غضون ستة أشهر من تاريخ تسليم تقريرها إلى البعثة في 5/5/2025″، إلا أن هذا الشرط لم يتحقق في موعده.
وحسب حذيفة فإن ما هو واضح حتى الآن هو “عجز المجلسين عن إيجاد حلول للأزمة واستمرار الانقسام السياسي والإداري، وتعثر إجراء الانتخابات، والتعنت في رفض الاستفتاء على مسودة الدستور“، معتبراً أن أي حديث جديد عن تفاهمات بينهما يجب أن يقيم من زاوية التنفيذ الفعلي لا من زاوية النصوص والبيانات وحدها.
ويخلص المتحدث إلى أن ضمان نجاح العملية الانتخابية القادمة يتطلب “تسوية سياسية شاملة” تتضمن، في حدها الأدنى، تصحيح وضع المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتوفير التمويل اللازم لها والإجراءات الأمنية الكفيلة بتأمين سلامة العملية الانتخابية، وتعديل الإعلان الدستوري والقوانين الانتخابية وفقاً لمخرجات اللجنة الاستشارية، وتشكيل سلطة تنفيذية جديدة موحدة تتولى الإشراف على المرحلة المقبلة.
ويرى عضو اللجنة الاستشارية التي شكلتها بعثة الأمم المتحدة، المستشار كمال حذيفة، أن الرسالة الأهم للأطراف المحلية اليوم هي “ضرورة التزامها بخارطة الطريق الأممية وعدم عرقلتها، وتجنب إصدار قرارات أحادية تزيد من حدة الانقسام السياسي والتشظي الإداري، والعمل معاً من أجل الاتفاق على إنهاء هذه المرحلة الانتقالية البائسة“.
تقاسم نفوذ أم بحث عن حل حقيقي؟
الكاتب والمحلل السياسي عبد الله الكبير يذهب أبعد في تفسير تحركات الأطراف المحلية، فهو يرى أن دعوة عقيلة صالح للانتخابات الرئاسية لا يمكن فصلها عن الضغوط التي يمارسها خليفة حفتر، لكنها، في الوقت نفسه، لا تعني أن صالح جزء من مشروع “تفويض حفتر“، بدليل غيابه عن اللقاءات التي جمعت حفتر بمن يقدمون على أنهم شيوخ وأعيان وحكماء من مختلف المناطق.
يقول الكبير لـ“عربي بوست” إن عقيلة صالح “يدرك أن مشروع التفويض برمته مصيره الفشل، لأنه يصطدم بالاتفاق السياسي وبمبادرة البعثة الأممية، ولن يحظى بقبول القوى الدولية“، ويعتبر أن ما تقوم به السلطات الحالية “محاولات يائسة لتدارك ما فاتها بعد انطلاق قطار مبادرة البعثة“، من دون أن تتمكن حتى الآن من إنتاج بديل واقعي ينافس المسار الأممي.
ويرى الكبير أن أي توافق بين مجلسي النواب والدولة في الظروف الراهنة يفسر في الغالب على أنه “تقاسم نفوذ ومحاولة لمنع تسرب العملية السياسية من أيدي المجلسين“، مشدداً على أن الأهم في ملف رئاسة المفوضية “ليس ما إذا كان المنصب جزءاً من صفقة شاملة للمناصب السيادية، بل نزاهة الشخصية المرشحة وكفاءتها والفريق الذي يعمل معها، إلى جانب وجود مراقبة دولية موثوقة تعزز ثقة الناس في الانتخابات“.
ويختم الكاتب والمحلل السياسي عبد الله الكبير بالقول إن الأطراف المحلية تبدو اليوم “في سباق مع رياح التغيير التي تحاول البعثة قيادتها، والكل يسعى لحجز مقعده في المرحلة المقبلة، إن تعذر عليه تعطيل المبادرة الأممية أو تقويضها“.
أي طريق يقود فعلا إلى صناديق الاقتراع؟
أمام هذه الصورة المعقدة، يمكن قراءة ما يحدث بطريقتين متعاكستين تقريباً:
-
قراءة ترى في دعوة الانتخابات واتفاق المناصب السيادية خطوات ضرورية لترتيب البيت الداخلي وتوحيد المؤسسات قبل الذهاب إلى استحقاق انتخابي شامل.
-
قراءة أخرى تعتبر أن ما يجري ليس سوى إعادة رسم لخارطة النفوذ داخل الدولة، مع توظيف شعار الانتخابات وخارطة الطريق الأممية لتأمين موقع أفضل للنخب الحاكمة في أي تسوية مقبلة.
بين هاتين القراءتين يبقى العامل الحاسم هو كيفية تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، هل ستختار قيادة المفوضية والهيئات الرقابية وفق معايير شفافة للكفاءة والاستقلالية، أم وفق توازنات سياسية وجهوية ضيقة؟ وهل سيتحول الضغط الأممي والدولي إلى التزام زمني واضح وملزم بانتخابات فعلية، أم سيظل عنوان “خارطة الطريق” غطاء لتفاهمات جديدة فوق واقع لم يتغير بعد؟
وإلى أن تتضح الإجابة، سيبقى سؤال الليبيين معلقاً، هل تقربهم هذه الدعوات والاتفاقات من صناديق الاقتراع فعلاً، أم تعيد إنتاج قواعد اللعبة نفسها بأسماء مختلفة؟
_______________