في بلدٍ يئن تحت وطأة الانقسام المالي، ويعيش على حافة الإفلاس المقنَّع، لا تُقاس جرائم الفساد بحجم المال المنهوب فقط، بل بمدى الوقاحة التي تُرتكب بها، وبعدد المؤسسات التي تُسخَّر لتجميل الجريمة ومنحها غطاءً قانونيًّا، واحدة من أخطر هذه الجرائم، وأكثرها اكتمالًا من حيث الأركان، تتعلق بما بات يُعرف اليوم بصفقة الأرض الساحلية في طرابلس، الصفقة التي تكشف كيف تحوَّل المال العام إلى أداة إثراء خاص، وكيف أصبحت مؤسسات الدولة جسورًا لعبور الفساد بدون حواجز أمامه.
فساد بلا حواجز في قلب العاصمة
خلال فترات سابقة تداولت منصات التواصل الاجتماعي معلومات متفرقة عن قيام المؤسسة الوطنية للنفط بشراء قطعة أرض استراتيجية مطلة على البحر في العاصمة طرابلس، تقع بين مقبرة أبو شويشة غربًا ومقبرة الهنشيري شرقًا، وتشمل ضمن نطاقها مرفأ الصيادين وسوق الأسماك الحالي، وتُقدَّر مساحتها بنحو 29 هكتارًا.
في ظاهر الأمر، بدا الخبر امتدادًا لسياسات استثمارية مثيرة للجدل انتهجتها المؤسسة خلال رئاسة فرحات بن قدارة، حيث جرى توجيه جزء من ميزانيات النفط نحو شراء أراضٍ وعقارات، وبناء مقار ومشروعات في مواقع مميزة، في وقت كانت فيه البلاد تعيش أزمة مالية خانقة.
الانتقادات آنذاك تمحورت حول الانحراف في بنود الصرف، وتحويل مخصصات خُصصت رسميًّا لإعادة تأهيل الحقول وصيانة المصافي وزيادة القدرة الإنتاجية وهي الذريعة التي على أساسها مُنحت المؤسسة عشرات المليارات إلى مسارات بديلة لا تمتُّ لتلك الأهداف بصلة.
ورغم أن هذا الانحراف وحده يشكِّل مخالفة جسيمة للقانون المالي وقانون الميزانية، فإنه لم يكن سوى الواجهة السطحية لقضية أعمق بكثير.
فالهيجان الإعلامي توقَّف عند سؤال: لماذا تشتري مؤسسة نفط أراضي؟ لكنه لم يذهب إلى السؤال الأخطر: كيف؟ ومن باع؟ ولصالح من؟ وبأي ثمن؟
شركة GTI الواجهة القانونية للصفقة
عند تفكيك الصفقة، يتبيّن أن المؤسسة الوطنية للنفط لم تشترِ الأرض مباشرة، بل قامت بالاستحواذ على شركة تُدعى شركة الخليج الدولية للاستثمار (GTI)، وهي الشركة التي زُعم أنها المالكة للأرض.
هنا تبدأ أولى حلقات التضليل. فبدل البحث في مشروعية الصفقة، اكتفى الخطاب الرسمي بترديد أن “الشركة تملك الأرض“، من دون أن يسأل أحد: كيف تملّكتها؟ وبأي سند؟ ومتى؟
البحث في خلفية شركة GTI يكشف أول الخيوط الثقيلة. فهذه الشركة ليست كيانًا استثماريًا تقليديًا، بل ترخيص واجهة لشركة عابرة للحدود مقرها جزر العذراء، يملك أسهمها أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل في تاريخ الفساد الليبي حسونة صلاح الدين طاطاناكي، الرجل الذي ظل حاضرًا في كبرى الصفقات المشبوهة عبر عهود مختلفة، ونجا دائمًا من المساءلة.
في عام 2008، أُبرمت شراكة بين طاطاناكي وصندوق الإنماء الاقتصادي والاجتماعي لاستثمار الموقع الساحلي المذكور. ولأجل هذا الغرض، جرى إنشاء شركة GTI كوعاء قانوني لاستثمار الأرض.
العقد حينها حدّد قيمة الأرض بمبلغ 90 مليون دينار ليبي. غير أن هذا المبلغ لم يُسدَّد، وبقي الملف معلقًا، بلا تنفيذ، وبلا فسخ، وبلا مساءلة، كما هو حال عشرات الملفات في ليبيا بعد 2011.
الورق المعدوم يتحول إلى ذهب
ظلّت الصفقة مجمّدة إلى أن وصل فرحات بن قدارة إلى رئاسة المؤسسة الوطنية للنفط. هنا تغيّر كل شيء. فبدل أن يُفعّل بن قدارة أدوات الدولة لاستعادة الأرض أو إعادة تقييمها لصالح الخزينة العامة، جرى الاستحواذ على حصة طاطاناكي البالغة 80 % في الشركة، وبمبلغ وُصف بحسب مصادر بالزهيد.
لم يكن طاطاناكي يتصور حينها أن هذا (الورق المعدوم) كما بدا لسنوات، سيتحوّل فجأة إلى أكبر صفقة فساد عقاري نفطي في تاريخ ليبيا الحديث.
لكن ابن قدارة لم يتحرّك منفردًا، ولم يظهر اسمه مباشرة في الصفقة. فقد جرى –وفق المعطيات– استخدام شركة إماراتية حديثة التأسيس كوسيط شكلي للاستحواذ على حصة طاطاناكي، قبل أن تُعرض الأرض عبر هذه الواجهة على مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، الذي وافق بدوره على شراء الأرض بمبلغ خيالي قُدّر بنحو 320 مليون دولار. هنا، لم تعد القضية انحرافًا إداريًا، بل جريمة مكتملة الأركان.
شركة الواجهة.. كيف صُنعت الصفقة وكيف قُفز بالسعر من الدينار إلى الدولار؟
لفهم جوهر هذه الصفقة، لا بد من التوقف عند السؤال الذي تجاهله الجميع عمدًا: كيف تحوّل أصل عالق بقيمة 90 مليون دينار ليبي غير مدفوعة منذ 2008 إلى صفقة تُسعَّر فجأة بـ 320 مليون دولار؟
الإجابة لا تكمن في “ارتفاع أسعار العقار” ولا في “تغيرات السوق“، بل في آلية مدروسة لغسل الأصل قانونيًا، عبر واجهة خارجية، ثم إعادته إلى الدولة بسعر فلكي.
بعد الاستحواذ على حصة حسونة طاطاناكي في شركة GTI، لم يتم نقل الملكية مباشرة إلى المؤسسة الوطنية للنفط، لأن هذا المسار كان سيكشف حقيقة السعر الأصلي للأرض، ويطرح سؤالًا محرجًا: لماذا تدفع الدولة اليوم عشرات أضعاف قيمة أصل لم يُسدَّد ثمنه أصلًا؟
لذلك، جرى اللجوء إلى شركة إماراتية حديثة التأسيس، لا سجل لها في السوق، ولا تاريخ استثماري معروف، ولا نشاط فعلي سوى لعب دور “الوسيط النظيف“.
هذه الشركة لم تدخل الصفقة كمستثمر حقيقي، بل كأداة إعادة تدوير قانوني
تستحوذ شكليًا على حصة طاطاناكي، ثم تظهر لاحقًا كبائع “مستقل” يعرض الأرض على المؤسسة الوطنية للنفط بسعر جديد، مُعاد تسويقه، ومُعاد تبريره، ومُعاد تمريره.
بهذه الخطوة، تم قطع الصلة الظاهرة بين: السعر القديم (90 مليون دينار) والمالك الأصلي، والالتزامات غير المسددة وحق الدولة في إعادة التقييم أو الفسخ، وأُعيد تقديم الصفقة على أنها فرصة استثمارية جديدة، لا علاقة لها بتاريخ الأرض ولا بعقودها السابقة.
لكن رفع السعر إلى 320 مليون دولار لم يكن قرارًا عشوائيًا. فالمبلغ، وفق مصادر مطلعة، صُمم ليؤدي ثلاث وظائف في آن واحد:
أولها: تغطية تسوية الـ 90 مليون دينار
وهي المستحقات القديمة التي لم تُسدَّد منذ 2008، والتي كان لا بد من تسويتها شكليًا حتى لا تظهر ثغرة قانونية فاضحة في سجل الملكية. وبالطبع، حين تُباع الأرض بمئات الملايين من الدولارات، يصبح دفع 90 مليون دينار تفصيلًا هامشيًّا لا يُذكر.
وأهمها: خلق هامش فساد ضخم
الفارق بين القيمة الحقيقية للأصل، وسعر البيع النهائي، هو المساحة التي تتحرك فيها شبكات المصالح. هذه المساحة لم تُخلق بالصدفة، بل صُممت لتستوعب عمولات، وصفقات جانبية، وتوزيع أدوار، وإرضاء أطراف متعددة داخل المنظومة.
وأخبثها تحصين الصفقة سياسيًّا
كلما ارتفع المبلغ، زادت الحاجة إلى غطاء سياسي من أعلى مستوى. وهنا لا يمكن فصل الصفقة عن حكومة عبدالحميد الدبيبة، التي وفرت الإطار المالي والسياسي الذي سمح بتمريرها.
فالمؤسسة الوطنية للنفط لا تملك، وفق القوانين السارية، حرية التصرف في مئات الملايين من الدولارات خارج إطار الميزانية العامة. ومع ذلك، جرى تخصيص الأموال للمؤسسة بقرار من رئيس الحكومة، في تجاوز صريح لقانون الميزانية وكافة اللوائح المنظمة للتصرف في المال العام. لم يكن هذا التجاوز خطأ إجرائيًّا، بل شرطًا أساسيًّا لإنجاح الصفقة.
من هنا، يصبح السؤال: هل كان بإمكان فرحات بن قدارة تنفيذ هذا العبث وحده؟
الإجابة المنطقية: لا.
صمت المؤسسات: من كان يفترض أن يمنع الصفقة؟
الصفقة، في جوهرها، لم تكن صفقة مؤسسة نفط، بل صفقة منظومة. منظومة تبدأ من رئاسة الحكومة، ولا تنتهي عند مجلس إدارة المؤسسة. والدليل على ذلك أن الصراع الذي دار لاحقًا حول المصرف الليبي الخارجي لم يكن منفصلًا عن هذه العملية، بل جزءًا من نفس السياق.
فاستقطاع إيرادات النفط لصالح المؤسسة، قبل إحالة المتبقي إلى حساب الإيراد العام بالمصرف المركزي، وفّر سيولة موازية خارج الرقابة التقليدية، وهي البيئة المثالية لتمرير صفقات من هذا النوع.
الأخطر أن الصفقة لم تكن بحاجة فقط إلى قرار مالي، بل إلى تطويع مؤسسات سيادية أخرى لإغلاق كل المنافذ القانونية التي كان يمكن أن توقفها.
وهنا تظهر أدوار: مصلحة التسجيل العقاري، مصلحة أملاك الدولة، صندوق الإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وهي الجهات التي كان يفترض بها، قانونًا، أن تطالب بحق الشفعة، أو تفسخ العقد لانقضاء المدة وعدم سداد الثمن أو تعيد تقييم الأرض بسعرها الحالي لصالح الخزينة العامة، لكن شيئًا من هذا لم يحدث.
بدل ذلك، سارت الإجراءات بسلاسة لافتة، وكأن الجميع يعرف دوره مسبقًا. فالأرض التي كان يمكن أن تعود للدولة بسعر عادل، أو تُدار كمرفق عام، تحوّلت إلى وسيلة لإعادة توزيع المال العام على دائرة ضيقة، تحت لافتة (الاستثمار).
في هذه المرحلة، لم يعد الحديث عن فساد محتمل، بل عن تصميم ممنهج لنهب المال العام، استخدمت فيه الشركات الوهمية، والقرارات الحكومية، والصمت المؤسسي، كأدوات تنفيذ لا تقل خطورة عن السلاح.
___________