الجمعي قاسمي

حكومة الوحدة الوطنية تقول إن التعديلات المرتقبة تهدف إلى رفع مستوى الكفاءة، وتعزيز الأداء المؤسسي.
أثار التعديل الوزاري الذي أعلنت حكومة الوحدة الوطنية الليبية برئاسة عبد الحميد الدبيبة اعتزامها القيام به خلال الأيام القليلة القادمة، جدلا واسعا في البلاد أججه الانتظار، وغموض أهداف ودلالات هذه الخطوة المُرتقبة في هذه المرحلة التي تشهد فيها ليبيا تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متصاعدة.
ومنذ الاعلان عن هذه الخطوة قبل أربعة أيام، لم يتوقف هذا الجدل، بل تصاعد أكثر فأكثر وسط حالة من الترقب باتت تُسيطر على المشهد السياسي في البلاد، وبالتحديد في غرب ليبيا، الذي يخضع لسيطرة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة التي لا تُخفي سعيها إلى ترميم صورتها أمام الرأي العام الليبي الذي سبق له التعبير أكثر من مرة عن غضبه من اداءها.
وكانت حكومة الوحدة الوطنية الليبية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، قد أعلنت مساء يوم الثلاثاء الماضي، أنها ستعلن خلال الأيام القريبة القادمة عن تعديلات حكومية إصلاحية تشمل سد الشواغر الوزارية، بحسب بيان نقلته في وقته، وكالة الأنباء الليبية (وال).
وقالت في بيانها، إن التعديلات المرتقبة “تهدف إلى رفع مستوى الكفاءة، وتعزيز الأداء المؤسسي، وتوسيع دائرة التوافق بما يدعم متطلبات المرحلة المقبلة“، مؤكدة في نفس الوقت أن “توجهها الأساسي يتمثل في الاستفتاء على مشروع الدستور أولا، غير أنها تتعاطى بإيجابية مع الاختراق الذي طرأ على حالة الجمود السابقة“.
واعتبرت أن جوهر المرحلة المُقبلة “لا يرتبط بتعدد المسارات أو تسمياتها، بقدر ما ينصرف إلى تحقيق الهدف الوطني المتمثل في إجراء الانتخابات، باعتبارها الاستحقاق الذي ينتظره الليبيون لتجديد الشرعية ووضع حد لحالة عدم اليقين السياسي“.
ولم تُحدد في بيانها تاريخا للإعلان عن هذا التعديل الحكومي المُرتقب، كما لم تُقدم المزيد من التفاصيل حول حجمه، أي هل هو تعديل حكومي واسع، أم جزئي، واكتفت بالتأكيد على أهمية معالجة الخلافات التي تُحيط بالاستحقاق الانتخابي، وخاصة منها القوانين الانتخابية.
وتوقعت مصادر دبلوماسية عربية، أن يتم الإعلان عن هذا التعديل الحكومي يوم 24 ديسمبر الجاري، وهو التاريخ الذي يوافق ذكرى استقلال ليبيا، ومع ذلك زاد الغموض المُتعمد في ضبابية المشهد، حيث تباينت الآراء والمواقف حول دوافع هذا التعديل الحكومي المُرتقب.
وذهب البعض من المراقبين إلى ربط التعديل الحكومي المُرتقب بزيارة كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس إلى ليبيا التي أثارت في وقتها تساؤلات حول أهداف واشنطن من العودة إلى المشهد الليبي.
وكان مسعد بولس قد اختتم في نهاية يوليو الماضي، زيارة إلى ليبيا استغرقت ثلاثة أيام، زار خلالها العاصمة طرابلس في الغرب، ومدينة بنغازي في الشرق، وذلك في أول تحرك أمريكي بهذا المستوى منذ سنوات، في وقت تشهد فيه ليبيا انسدادا سياسيا وتحديات اقتصادية، وتوترات أمنية.
وأمام هذا الوضع، سارع وليد اللافي، وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية في حكومة الدبيبة إلى محاولة تبديد ذلك الغموض، وما رافقه من تكهنات حول أبعاد ودوافع التعديل الحكومي المُرتقب، وتأثيره على المشهد السياسي الليبي، لجهة تماسك أركان حكومة الدبيبة في مواجهة التحديات الماثلة.
واعتبر اللافي في تصريحات بثتها قناة “ليبيا الحرار” بعد يوم واحد من الإعلان الرسمي عن التعديل الحكومي المُرتقب، أن هذه الخطوة المُنتظرة “تأتي في إطار معالجة الانقسام السياسي وتعزيز المسار التنموي، ولا علاقة لها بالتحرك الأمريكي الذي قام به كبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب للشؤون العربية والافريقية، مسعد بولس“.
وأوضح أن حكومة الوحدة الوطنية الليبية برئاسة الدبيبة “تشاورت في ملف التعديل الحكومي مع المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، والمجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد تكالة، عبر “الهيئة العليا للرئاسات“، المثيرة للجدل التي أعلن المجلس الرئاسي الليبي عن تأسيس يوم 20 نوفمبر الماضي بهدف “تنسيق القرار الوطني الليبي وتوحيد المواقف بين القيادات العليا للدولة“.
وأكد أن المجلس الرئاسي والمجلس العلى للدولة “يدعمان هذا التعديل الحكومي المُرتقب“، مُشددا في نفس الوقت، على أن التعديل الحكومي المُرتقب “لا يعني انتهاء الأزمة السياسية، والحل النهائي لن يتحقق إلا عبر انتخابات برلمانية تنتج سلطة تشريعية جديدة قادرة على تشكيل حكومة واحدة لا مجال فيها للخلاف السياسي“.
وأضاف أن التعديل الحكومي المُرتقب سيرتكز “بشكل أساسي على الكفاءة“، مع إيلاء اهتمام خاص لتمثيل الشباب و“التوزيع الجغرافي العادل” الذي يشمل جميع مناطق البلاد“، لافتا إلى أن التغييرات ستطال الوزارات السيادية والخدمية على حد سواء، بما في ذلك استبدال بعض الوزراء، وإعادة توزيع مناصب أخرى.
لكن هذا التوضيح لم يحسم الجدل المحيط بالتعديل الحكومي المُرتقب، حيث أعلن سبعة مُرشحين لرئاسة الحكومة الجديدة، هم عثمان عبد الجليل وسلامة الغويل ومحمد المزوغي، ونصر إمحمد ويس وعبد الحكيم بعيو وعبد الباسط إمحمد محمد ومحمد المنتصر، رفضهم في بيان مشترك اعتزام عبد الحميد الدبيبة إجراء تعديلات حكومية.
واعتبروا في بيانهم أن هذه التعديل الحكومي المُرتقب ” غير قانوني، وتحايل على إرادة الشعب الليبي، ومحاولة مكشوفة لإطالة أمد حكومة الأمر الواقع“، بالإضافة إلى أنه “لا يخدم المسار الانتخابي، بل يُسهم في تعطيله وتقويض الثقة الوطنية والدولية في العملية السياسية برمتها“.
ومن جهته، اعتبر المحلل السياسي الليبي، عمر بوسعيدة، أن طرح تعديل حكومي جديد “لا يمكن التعاطي معه كحل واقعي أو خطوة إصلاحية جادة، بل يبدو مناورة سياسية تقليدية لا تمس جوهر الأزمة الليبية“.
وأضاف في تصريحات اعلامية أن “التلويح بالتعديل الحكومي يأتي في سياق تهدئة الغضب الشعبي وشراء الوقت، خاصة مع انطلاق الحوار المُهيكل، وتصاعد الانتقادات، وبالتالي فإن أي تعديل وزاري من دون إصلاح بنيوي شامل سيبقى مجرد ترقيع فوق جدار مُتصدع“، على حد قوله.
يُشار إلى أن حكومة الوحدة الوطنية الليبية الحالية شكلها عبد الحميد الدبيبة في أعقاب انتخابه رئيسا للحكومة يوم 5 فبراير 2021 من ملتقى الحوار الليبي الذي عُقد في مدينة جنيف السويسرية.
وفي شهر مارس 2022 قرر البرلمان الليبي برئاسة عقيلة صالح الذي يتخذ من مدينة طبرق بشرق ليبيا مقرا له، سحب الثقة منه ومنح ثقته لحكومة فتحي باشا آغا، غير أن الدبيبة رفض القرار وواصل مهامه لغاية الآن.
______________
