
ظلت ليبيا ترزح تحت وطأة نزاعات مسلحة أدّت إلى انهيار مؤسسات الدولة وتفكك السلطات المركزية بين أطراف متعددة تحظى بدعم خارجي.
وخلال العقد الماضي، ثبت أن الجهود الدولية وحدها غير كافية لحل هذه النزاعات الممتدة وتحقيق سلام شامل في البلاد. وقد أعاد ذلك تسليط الضوء على آليات الوساطة المحلية، التي تُظهر إمكانات واعدة باعتبارها أدوات رئيسية لإدارة النزاعات الداخلية وحلّها على المستوى القاعدي.
في البيئات التي تتسم بطول أمد الصراع، وتكاثر القوى المسلحة، وتفكك منظومة الحكم، يمكن للوساطة المحلية أن تُكمل الجهود الدولية والوطنية أو تشكّل بديلاً فعّالاً لها، خاصة وأن هذه الجهود غالباً ما تجد صعوبة في معالجة الأسباب الجذرية للصراع بطريقة مقبولة لدى جميع الأطراف.
في ليبيا، أسهمت الوساطة المحلية، ولا سيما عبر لجان المصالحة، في كثير من الحالات في منع تصاعد الاشتباكات المسلحة، والمساعدة على إعادة فتح الطرق بين المدن والمناطق، والوساطة في تبادل الجثامين والأسرى والمحتجزين.
وغالباً ما جاء عمل هذه اللجان مكمّلاً لحالات الهدنة القائمة، والتي تُعقد في الغالب بين قادة الميليشيات المسلحة والوحدات العسكرية. ورغم أن إنجازاتها قد تبدو محدودة، فإن أثرها في التخفيف من المعاناة وإنقاذ الأرواح كان بالغ الأهمية في سياق الجمود السياسي الطويل الأمد الذي تعيشه ليبيا.
تختلف الوساطة المحلية عن الجهود الدولية في عدة جوانب. فهي تعتمد على فاعلين من داخل المجتمع المتأثر بالنزاع، وتستند إلى الأعراف والقيم المحلية. وغالباً ما تكون الاتفاقات شفهية، مدعومة بالتقاليد العرفية، وتهدف إلى احتواء التصعيد أو إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل اندلاع النزاع.
أما الوساطة الدولية، فتعتمد على طرف ثالث أجنبي، وتكون غالباً محددة بزمن معيّن، وتسعى إلى حلول تقنية مستمدة من الدبلوماسية والقانون أو المعايير الدولية. وغالباً ما تثير هذه المقاربة شكوك الأطراف المحلية المتنازعة أو داعميها الخارجيين، خشية أن تُهدَّد مصالحهم.
تبدأ عملية الوساطة حين يجتمع أطراف النزاع معاً، أو عندما يجري الوسيط محادثات منفصلة مع كل طرف. وتشمل هذه المرحلة الاستماع إلى روايات الأطراف المختلفة وتثبيت الوقائع. ويقود ذلك إلى اقتراح حلول وسط، مثل دفع التعويضات وجبر الضرر في حالات القتل، أو إنشاء مسارات للرعاية، أو وقف القتال مؤقتاً إلى أن تتمكن القوانين الوطنية من معالجة النزاع.
ويُعلن الاتفاق عادةً أمام المجتمع، وأحياناً يُدوَّن، ليصبح ملزِماً لجميع الأطراف. ثم تتولى الإدارات المحلية أو اللجان متابعة التنفيذ وفرض غرامات على من يخالف بنود الاتفاق.
ويجعل ذلك من هذه الآلية أداة فعّالة على المدى القصير في خفض مستوى العنف أو الحد من آثاره الإنسانية. غير أن غياب إطار مؤسسي يحمي هذه الحلول يجعلها هشّة أمام تغيّر موازين القوى واتساع رقعة الصراع، ما يفرض ضرورة التفكير في سبل دمجها ضمن عمليات السلام الوطنية والإقليمية الأوسع.
تجادل هذه الورقة بأن ضعف الدولة يفسح المجال أمام حلول محلية قائمة على آليات الوساطة العرفية والقبلية والدينية لسد الفراغ الناجم عن غياب أو هشاشة السلطة المركزية. ومن خلال هذا التحليل، نسعى إلى استخلاص دروس عملية لصنّاع السياسات حول كيفية دعم وتفعيل وضمان استدامة الوساطة المحلية، إلى جانب مسارات حل النزاعات الرسمية.
تنوّع آليات الوساطة بين الشرق والغرب
عقب سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، انزلقت ليبيا إلى دوامة من النزاعات المسلحة. وبينما انصبّ تركيز المجتمع الدولي على صياغة خطة للانتقال السياسي وإجراء انتخابات وطنية، ازدهرت على الأرض جهود الوساطة المحلية، وأسهمت إلى حدّ ما في كبح الانحدار نحو الفوضى الشاملة.
ومع انهيار المؤسسات الأمنية، اضطرت العديد من المجتمعات إلى الاعتماد على الأعراف القبلية ولجان المصالحة المحلية لتسوية النزاعات وتوفير قدر من الأمن داخل المجتمع. وتمتلك ليبيا تاريخاً طويلاً من التقاليد القبلية في حل الخلافات، لا سيما في المناطق الريفية، بما في ذلك ممارسات مثل المِيعاد وجبر الخواطر، حيث يجتمع شيوخ القبائل لتسوية النزاعات وتعزيز الانسجام في حال نشوب خلافات على مستوى المجتمع.
بعد عام 2011، برزت كيانات جديدة مثل المجالس البلدية ومنظمات المجتمع المدني، وأسهمت بدورها في الوساطة في مثل هذه النزاعات.
وخلال الفترة بين 2011 و2018، أُبرمت ما لا يقل عن ثماني اتفاقيات مصالحة بين مجموعات ليبية محلية مرتبطة بميليشيات مسلحة من مناطق ومدن مختلفة، وبأهداف وولاءات متباينة.
ومن أبرز هذه الاتفاقيات اتفاق مصراتة–تاورغاء (2016–2018)، الذي أفضى إلى عودة آلاف النازحين من سكان تاورغاء إلى مدينتهم بعد سبع سنوات من التهجير القسري. وقد علّق مسؤول أممي رفيع المستوى قائلاً: «الوساطة المحلية هي أفضل ما حدث في ليبيا منذ الثورة».
وبالمثل، أسفرت جهود وساطة قادتها مجالس قبلية في منطقة سبها الجنوبية عن اتفاق سلام بين مجموعات مسلحة من قبيلتي التبو والطوارق عام 2015، بعد جولات متكررة من العنف المسلح.
ورغم إخفاق الحكومات المتعاقبة في توحيد وإعادة بناء المؤسسات الأمنية الليبية، لعبت هذه الجهود التصالحية القاعدية دوراً محورياً في احتواء النزاعات المحلية ومنع تصعيدها. ومع ذلك، ظل أثرها محدوداً في كثير من الأحيان، وتفاوت نجاحها زمانياً ومكانياً بسبب غياب إطار وطني جامع.
مزيج من الفاعلين التقليديين والحديثين
تُنظَّم الوساطة المحلية في ليبيا على مستوى المجموعات، غالباً عبر «لجان مصالحة» تضم شيوخ قبائل وأعياناً، ورجال دين، وأعضاء مجالس محلية، ونشطاء من المجتمع المدني. وغالباً ما تُشكَّل هذه الهيئات استجابةً لاشتباكات مسلحة، سواء كانت واسعة النطاق أو محصورة في نطاق جغرافي معيّن.
وتشمل عادةً ممثلين حقيقيين أو رمزيين عن أطراف النزاع، إلى جانب شخصيات «محايدة» وأعيان غير منتمين لأي طرف.
وتُعدّ سلسلة اتفاقات وقف إطلاق النار في غرب ليبيا خلال عامي 2014–2015 — بين ميليشيات مصراتة وورشفانة، ومصراتة والزنتان، والزنتان وغريان، وزوارة والزاوية، إضافة إلى بلدات متجاورة في جبل نفوسة — أمثلة بارزة على دور لجان الوساطة في احتواء النزاع وخفض التصعيد.
وفي معظم هذه الحالات، دعمت الهدن بتدابير لبناء الثقة، كما نصّت عليها اتفاقيات السلام الموقّعة من قبل اللجان الممثلة للأطراف المتحاربة، وشملت عادةً وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وانسحاب القوات المسلحة من مناطق التماس، وإعادة فتح الطرق المغلقة، وتعويض الضحايا، وعودة النازحين، وغيرها.
وقد أسهم هذا النهج إسهاماً ملحوظاً في ترسيخ حالة عامة من السلم في غرب ليبيا، مهدت الطريق لتوقيع الاتفاق السياسي الليبي المعروف باتفاق الصخيرات في ديسمبر/كانون الأول 2015.
ولا حقاً، اضطلعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بدور أكبر في دعم هذه الجهود، إذ بدأت منذ عام 2015 بالاعتماد جزئياً على وسطاء محليين في مساعيها، وقدّمت لهم خبرات تقنية، أو رافقتهم بمراقبين ضمن لجان المصالحة الوطنية، لإضفاء زخم دولي على عملهم.
وتُعدّ المجالس الاجتماعية القبلية آلية مهمة أخرى في ليبيا، أُعيد إحياؤها في بعض المدن والمناطق بعد انتفاضة 2011. فعلى سبيل المثال، أدار المجلس الاجتماعي لقبيلة ورفلة شؤون مدينة بني وليد بدرجة من الاستقلال عن مراكز القوى في شرق وغرب ليبيا، وساعد في حل النزاعات بين الجماعات المسلحة في المدينة بالاستناد إلى الإرث التاريخي للأعراف المحلية والقبلية.
وخلاصة القول، تطورت آليات الوساطة المحلية في ليبيا من اجتماعات تقليدية في غرف الجلوس الخاصة إلى مؤتمرات مصالحة وطنية برعاية حكومية ودولية، تهدف أساساً إلى منع النزاعات المحلية من التصاعد أو الانتشار.
التحديات والدروس المستفادة
تتسم نجاحات جهود الوساطة المحلية في ليبيا بعدة خصائص رئيسية، وتقدّم دروساً مهمة يمكن البناء عليها.
أولاً، تُعدّ الشرعية الثقافية والاجتماعية مفتاحاً أساسياً للنجاح، إذ تضيف بُعد الملكية الوطنية لعمليات بناء السلام، وتمنح الوسطاء نفوذاً لا تستطيع المؤسسات الدولية توفيره.
ثانياً، أظهرت التجربة أن المرونة التكتيكية للوساطة المحلية تتيح احتواء التصعيد بسرعة، حتى وإن كانت الحلول مؤقتة وجزئية.
ثالثاً، ورغم أن الوساطة المحلية لا يمكن أن تحل محل الدولة ومؤسساتها في معالجة الأسباب الجذرية للصراعات أو إرساء سلام مستدام، فإنها تظل جزءاً أساسياً من المعادلة، ومكمّلاً للمسارات الوطنية والدولية.
وأخيراً، أسهمت مشاركة النساء والمجتمع المدني — وإن كانت محدودة — في تعزيز فاعلية الوساطة ومنحها شرعية أوسع، من خلال ردم الفجوة بين البُنى التقليدية والفاعلين الجدد.
وباختصار، ورغم هشاشتها، أثبتت الوساطة المحلية قيمتها وأحدثت فرقاً ملموساً في حياة الناس، لتشكّل لبنة لا غنى عنها في أي عملية سلام شاملة.
ومع ذلك، تواجه آليات الوساطة المحلية تحديات وعقبات نابعة من بيئة الصراع الأوسع، وتفتقر إلى الأدوات التي تضمن استدامة إنجازاتها ودمجها في مسارات وطنية أوسع.
ويتمثل التحدي الأول في نقص الموارد المالية واللوجستية.
فالوسطاء المحليون — من شيوخ قبائل وقادة مجتمعيين ونشطاء مدنيين — يعملون في بيئات فقيرة ويفتقرون في الغالب إلى دعم مؤسسي، وغالباً ما يباشرون جهود الوساطة بمواردهم الشخصية المحدودة، ما يجعلهم رهينة للظروف المحلية وغير قادرين على توسيع أو استدامة هذه الجهود على المدى الطويل.
وتعرّض هذه الهشاشة الوسطاء للإرهاق وفقدان القدرة على المتابعة، خاصة في الاتفاقات التي تتطلب رقابة وتنفيذاً طويلَي الأمد.
أما التحدي الثاني فيكمن في التهديدات الأمنية المباشرة التي يواجهها الوسطاء. ففي ليبيا، تنظر الجماعات المسلحة إلى الوسطاء المحليين أحياناً باعتبارهم عائقاً أمام توسيع مصالحها العسكرية والاقتصادية، وقد لجأت إلى ترهيبهم. ويقوّض هذا المناخ الخطِر الثقة العامة في العملية برمتها، إذ يخشى الناس الانخراط في مسار قد يعرّضهم لتبعات شخصية.
ويشكّل التدخل السياسي تحدياً ثالثاً لا يقل خطورة.
في حين يتمثل التحدي الرابع في غياب الضمانات، ما يهدد العديد من الاتفاقات المحلية بالانهيار. فكثير من الاتفاقات التي تُبرم عبر جهود محلية تكون شفهية أو غير موثّقة، وتعتمد على الثقة والالتزام الأخلاقي أكثر من اعتمادها على آليات مؤسسية أو تنفيذية أو قضائية.
وفي ليبيا، انهارت العديد من اتفاقات وقف إطلاق النار عند حدوث اختلالات كبيرة في موازين القوى بين الأطراف المتحاربة؛ وفي السودان، تُنتهك اتفاقات وقف إطلاق النار المحلية بشكل متكرر بسبب استمرار الحرب.
الخلاصة
تكشف جهود الوساطة المحلية في ليبيا أن هذه الأدوات ليست مجرد آليات تقليدية لحل نزاعات بسيطة، بل وسائل حيوية حافظت على استمرار الحياة المجتمعية في لحظات الانهيار الكامل للدولة.
وقد حققت هذه العمليات اختراقات ملموسة في حماية المدنيين، وفتح الطرق، والتفاوض على تبادل الأسرى، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية. غير أن لها حدوداً واضحة، أبرزها عجزها عن معالجة الأسباب الجذرية للصراع أو ضمان استدامة الاتفاقات في مواجهة تقلبات القوى السياسية والعسكرية الكبرى.
وتبرز هذه النتائج الحاجة إلى مقاربة جديدة تنظر إلى الوساطة المحلية بوصفها عنصراً أساسياً في بناء السلام، لا مجرد حل مؤقت للأزمات. فلا يمكن لأي اتفاق وطني أو دولي أن ينجح ما لم يكن متجذراً في شرعية محلية ويستند إلى آليات المجتمع نفسه في حل النزاعات. كما أن تجاهل هذه الآليات يعني ترك مساحات واسعة من الصراع دون إدارة، ما يؤدي حتماً إلى عودة العنف لاحقاً.
وبناءً على ذلك، نوصي بأن تقدّم المنظمات الدولية والإقليمية دعماً مالياً وتقنياً مستداماً للوسطاء المحليين، بما في ذلك التدريب على مهارات التفاوض وآليات الحماية، من دون السعي إلى فرض سيطرة خارجية عليهم.
كما ينبغي الاعتراف الرسمي بالاتفاقات المحلية ودمجها في العمليات السياسية الوطنية، لتحويلها من إنجازات ظرفية إلى لبنات أساسية في عملية سلام شاملة.
ومن الضروري أيضاً توفير حماية فعّالة للوسطاء المحليين عبر آليات رقابة دولية وإقليمية تحول دون استهدافهم أو ابتزازهم من قبل الجماعات المسلحة.
إضافة إلى ذلك، تبرز الحاجة إلى شراكات أقوى بين المجتمع المدني والهياكل التقليدية، بما يخلق جسوراً بين الشرعية الحديثة والشرعية التاريخية.
___________