أحمد الخميسي

لم تعد أزمة السيولة في ليبيا مسألة أرقام أو بيانات مصرفية، بل تحولت إلى مشهد يومي ثقيل يعيشه المواطنون في طوابير المصارف وأمام ماكينات الصراف الآلي.

فبين ازدحام خانق، ونفاد مبكر للنقد، وخيارات قسرية تلحق خسائر مباشرة بالدخل، تتجسد الأزمة في تفاصيل الحياة اليومية، كاشفة فجوة عميقة بين السياسات النقدية والواقع المعيشي

في أحد مصارف العاصمة طرابلس، لم يتمكن عبد السلام الماي، وهو رجل سبعيني، من سحب ألفي دينار ليبي (سعر الصرف 5.5 دنانير للدولار) من أحد المصارف في العاصمة طرابلس، بعدما حال الازدحام الشديد والتدافع أمام شبابيك السيولة دون وصوله إلى دوره.

منذ ساعات الصباح الأولى، وقف الرجل متكئاً على صبر أنهكه العمر، محاولاً الحفاظ على توازنه وسط طوابير مكتظة بمواطنين يبحثون عن ورقة نقدية تمكنهم من تسيير شؤون يومهم. يروي عبد السلام، بصوت يختلط فيه الغضب بالإنهاك: “سقطت أرضاً وأنا أحاول الوقوف في الطابور… الناس تتدافع، ولا أحد يلتفتمشيراً إلى أنّ السيولة نفدت قبل منتصف النهار، كما يحدث في معظم الأيام.

ويضيف بأسى: “لا تقدير لكبار السن، نقف بالساعات وكأننا أقوياء، بينما أجسادنا لم تعد تحتمل“.

حرق الصكوك

ومع انسداد الأبواب أمامه في المصرف، لم يجد عبد السلام خياراً سوى اللجوء إلى السوق الموازية، حيث اضطر إلى ما يعرف شعبياً بـحرق الصك المصرفي“. ويوضح لـالعربي الجديدأنه اشترى الدولار باستخدام صك مصرفي، ثم أعاد بيعه بخسارة، فقط للحصول على سيولة نقدية تمكنه من تلبية احتياجاته اليومية.

ويستطرد قائلاً: “خسرت جزءاً من المبلغ، لكنني كنت في حاجة إلى الكاش“.

وفي أحد أحياء طرابلس، تقف فاطمة سلطان أمام ماكينة الصراف الآلي، تضرب بطاقتها على الزجاج وتقول: “الفلوس زعلت منا… ومشت“. هنا، لا تختفي السيولة النقدية دفعة واحدة، بل تتراجع تدريجياً، ما يترك السكان أمام جيوب أخف مما ينبغي، لا بفعل الإنفاق، بل بسبب شح النقد نفسه.

وتقول الأرملة سميرة الجبالي (45 عاماً) لـالعربي الجديدإنها قضت يومين متتاليين في طوابير المصارف في محاولة لسحب ألفي دينار من دون جدوى، بسبب الازدحام والعشوائية في الدخول.

في المقابل، ترى طبيبة الأسنان أسمهان الزليطني أن تخصيص طوابير للنساء ساهم نسبياًفي تسهيل الحصول على النقد، وإن بشكل محدود. ولا تقتصر الأزمة على العاصمة.

من مدينة وازن، على الحدود الليبية التونسية، يقول محسن بن حامد لـالعربي الجديدإن كثيراً من المواطنين لا يتحصلون على السيولة، ما يدفع بعضهم إلى ما يعرف محلياً بـحرق الصكوك، عبر شراء الدولار بنحو 9.45 دنانير ثم بيعه بنحو 8.20 دنانير، بخسارة مباشرة، من أجل الحصول على نقد فوري.

فجوة كبيرة

ويؤكد المحلل الاقتصادي علي العربي لـالعربي الجديدأن أزمة السيولة ما زالت قائمة، موضحاً أنّ مصرف ليبيا المركزي سحب نحو 17 مليار دينار من التداول (3.09 مليارات دولار)، قبل أن يعاود ضخ كميات محدودة جداً من النقد، من دون معالجة جذرية للمشكلة. ويضيف أن الاعتماد على وسائل الدفع الإلكترونية ما زال ضعيفاً، في ظل أعطال متكررة، ما يبقي الطلب على النقد مرتفعاً.

ويرى العربي أن التوسع في الخدمات الإلكترونية ليشمل محطات الوقود والمخابز والورش وغيرها من المرافق اليومية، قد يخفف الضغط على السيولة النقدية.

وقفز عرض النقود خارج القطاع المصرفي في ليبيا إلى 54.3 مليار دينار (نحو 9.87 مليارات دولار) خلال النصف الأول من العام، مقابل 52 مليار دينار في بداية الربع الأول، فيما بلغ خلال عام 2024 نحو 48.8 مليار دينار، بحسب بيانات صادرة عن مصرف ليبيا المركزي.

ويشير الخبير المالي عبد الناصر الميلودي إلى فجوة واضحة بين حجم الرواتب والسيولة المتاحة، إذ تبلغ رواتب العاملين شهرياً نحو 5.8 مليارات دينار، في حين لا تتجاوز السيولة المتوفرة قرابة 3 مليارات دينار.

ويحمل المصرف المركزي جزءاً أساسياً من المسؤولية، لافتاً إلى أنّ تعديل سعر صرف الدينار في إبريل/نيسان الماضي زاد من حاجة الأسر إلى سيولة أكبر لتغطية متطلبات المعيشة اليومية. ويقول لـالعربي الجديدإن استمرار هذه الفجوة، في ظل ضعف البدائل الإلكترونية، ينذر بإطالة أمد أزمة السيولة، مع انعكاسات مباشرة على الحياة اليومية لليبيين.

نمو نقاط البيع

وفي المقابل، شهدت نقاط البيع في ليبيا نمواً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، حيث ارتفع عددها بمقدار 8,570 نقطة ليصل إلى 150,019 نقطة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

وبلغ عدد البطاقات المصرفية المفعلة 5,225,788 بطاقة، مع زيادة حادة في عدد حركات البطاقات على نقاط البيع، إذ ارتفعت من 31,296,313 حركة في أكتوبر/تشرين الأول إلى 194,790,143 حركة في نوفمبر/تشرين الثاني.

كما ارتفع حجم التداول على نقاط البيع من 4.1 مليارات دينار إلى 26.2 مليار دينار. وسجلت الصرافات الآلية بدورها زيادة كبيرة في عدد الحركات، من 1,088,454 حركة في أكتوبر إلى 19,361,346 حركة في نوفمبر، فيما ارتفعت قيمة معاملات البطاقات عبرها من 0.5 مليار إلى 10.1 مليارات دينار.

وبلغت مصروفات الرواتب حتى شهر نوفمبر 62.1 مليار دينار، لصالح نحو 2.5 مليون مستفيد، وفق بيانات رسمية، علماً أنّ سعر صرف الدولار هو 5.5 دنانير.

______________

مقالات مشابهة