
لم يكن 2025 في ليبيا عاماً للحلول الكبرى أو التحولات الحاسمة، بقدر ما كان عاماً لإدارة الأزمة وتدويرها بصيغ أقل صدامية وأكثر تعقيداً.
فمنذ الأسابيع الأولى للعام، بدا واضحاً أن البلاد دخلت مرحلة جديدة من «الانتقال داخل الانتقال»، حيث لم تعد الرهانات منصبة على إنهاء الانقسام، بل على احتوائه ومنع انفجاره، سواء عبر مسارات سياسية أممية، أو ترتيبات اقتصادية مؤقتة، أو تهدئة أمنية هشة سرعان ما تُختبر على الأرض.
بين حوار سياسي طويل النفس، وانتخابات بلدية محدودة، واستقرار نفطي مشروط، بقيت ليبيا طوال 2025 تتحرك داخل هامش ضيق، تحاول فيه الحفاظ على الحد الأدنى من الدولة دون امتلاك أدوات الدولة الكاملة.
دخلت ليبيا عام 2025 وهي ما تزال أسيرة أزمة الشرعية، فالحكومتان المتنافستان في الشرق والغرب واصلتا العمل كلٌّ من موقعه، بدون أي تقدم حقيقي نحو توحيد السلطة التنفيذية، ورغم تراجع حدّة الخطاب التصعيدي مقارنة بسنوات سابقة، فإن الانقسام ظل بنيوياً، ينعكس على كل الملفات من الاقتصاد إلى الأمن والخدمات.
مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة استمرا في لعب دور مركزي شكلياً، لكن بدون قدرة فعلية على حسم الملفات الخلافية، خصوصاً ما يتعلق بالإطار الدستوري وقوانين الانتخابات، ومع مرور الوقت تزايدت حالة التآكل في الثقة الشعبية بالمؤسستين، في ظل شعور عام بأن النخب السياسية تعيد إنتاج نفسها عبر مسارات جديدة بدون تغيير حقيقي في موازين السلطة.
كما بقي ملف الانتخابات الوطنية معلقاً، إذ استمر الخلاف حول شروط الترشح وصلاحيات المناصب السيادية، ما جعل الحديث عن الانتخابات أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى مسار عملي، وأدى إلى ترسيخ واقع «التأجيل المفتوح».
في هذا السياق، كثّفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تحركاتها خلال العام، في محاولة لإعادة ضبط المسار السياسي دون الصدام مع الواقع القائم وكان أبرز هذه التحركات إطلاق الحوار المهيكل، الذي قُدّم بوصفه مساراً ليبياً–ليبياً، يهدف إلى معالجة القضايا الخلافية بطريقة تدريجية.
الحوار المهيكل مثّل تحولاً في المقاربة الأممية، من منتديات سياسية جامعة إلى مسارات تقنية أطول زمناً، تركز على تفكيك العقد القانونية والمؤسساتية التي عطّلت الانتخابات، ورغم الترحيب الحذر بهذا المسار، إلا أنه واجه منذ بدايته انتقادات اعتبرته محاولة جديدة لإطالة أمد المرحلة الانتقالية، خاصة في ظل غياب جدول زمني ملزم أو ضمانات لتنفيذ مخرجاته.
بالتوازي، طرحت الأمم المتحدة خلال العام مبادرات متعددة تحت عنوان خريطة الطريق السياسية، ربطت فيها بين المسار السياسي وتوحيد المؤسسات السيادية وتحسين الوضع الأمني. غير أن هذه المبادرات اصطدمت بواقع محدودية النفوذ الأممي، واعتماد البعثة على توافقات سياسية هشّة لا تملك أدوات فرضها.
اقتصادياً، كان عاماً لاستعادة التوازن أكثر من كونه عاماً للإصلاح. فقد استقر إنتاج النفط عند مستويات مرتفعة نسبياً، ما وفّر متنفساً مالياً للدولة، وأعاد تدفق الإيرادات إلى الخزينة العامة.
هذا الاستقرار انعكس في خطابات رسمية مطمئنة للأسواق الدولية، وساهم في تخفيف حدة الأزمات المالية مقارنة بالعام السابق.
غير أن هذا التحسن ظل هشّاً ومشروطاً، إذ لم يُترجم إلى إصلاحات هيكلية حقيقية. فغياب ميزانية موحدة، واستمرار تعدد مراكز القرار المالي، وتضخم الإنفاق العام، كلها عوامل حدّت من أثر العائدات النفطية على حياة المواطنين.
وشهد قطاع النفط نفسه تحولات إدارية عكست حساسيته السياسية، حيث أُعيد ترتيب القيادة داخل المؤسسة الوطنية للنفط، في خطوة قُدّمت على أنها إدارية، لكنها حملت أبعاداً سياسية تتعلق بإدارة الموارد وتوازن النفوذ بين الأطراف المختلفة.
كما استمر الجدل حول دور المصرف المركزي، والشفافية المالية، وسعر الصرف، في ظل تحذيرات دولية من أن استمرار الاقتصاد الموازي وتوسع السوق غير الرسمي يهددان أي استقرار اقتصادي طويل الأمد.
الانفجار الأمني
أمنياً، كان 2025 اختباراً قاسياً لهشاشة الترتيبات القائمة، خصوصاً في العاصمة طرابلس. ففي أيار/مايو، اندلعت اشتباكات عنيفة بين مجموعات مسلحة داخل أحياء سكنية، أعادت إلى الواجهة مشهد الفوضى المسلحة، وأظهرت أن ما يُسمّى بـ«الاستقرار الأمني» في العاصمة قائم على توازنات مؤقتة لا على سلطة دولة.
هذه الاشتباكات لم تكن حدثاً معزولاً، بل نتيجة تراكمات طويلة تتعلق بصراع النفوذ، واقتصاد المجموعات المسلحة، وغياب مشروع حقيقي لدمج السلاح أو تفكيكه.
وأثارت المواجهات موجة غضب شعبي واحتجاجات ضد الحكومة في طرابلس، إلى جانب إدانات حقوقية بشأن الانتهاكات والاحتجاز غير القانوني. ورغم التوصل إلى تهدئة سريعة، إلا أن جوهر الأزمة الأمنية بقي من دون معالجة، ما جعل العاصمة نموذجاً صارخاً لدولة بلا احتكار للعنف، حيث يمكن لأي خلل في التوازن أن يعيد البلاد إلى نقطة الصفر.
في مقابل تعثر المسار الوطني، برزت الانتخابات البلدية خلال النصف الثاني من 2025 كأحد التطورات القليلة الملموسة على الأرض. فقد جرى تنظيم انتخابات أو التحضير لها في عدد من البلديات، في محاولة لتعزيز الشرعية المحلية وتحريك المشاركة السياسية من القاعدة.
ورغم محدودية صلاحيات المجالس البلدية، فإن هذا المسار اكتسب أهمية رمزية، إذ أعاد الاعتبار لفكرة الانتخاب كآلية ممكنة في السياق الليبي، وكسر جزئياً حالة الجمود. غير أن منتقدين رأوا في التركيز على البلديات التفافاً غير مباشر على الاستحقاقات الوطنية، وتحويلاً للأزمة من مستوى الدولة إلى مستوى الخدمات. اجتماعياً، عكس العام حالة من التعب الجماعي.
فقد استمرت أزمات الخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه وصحة، بدون حلول جذرية، ما عمّق شعور المواطنين بأن الدولة عاجزة عن تلبية أبسط احتياجاتهم. كما تزايدت مظاهر فقدان الثقة في الطبقة السياسية، وتراجع الاهتمام العام بالمسارات السياسية المعقدة، مقابل تركيز أكبر على الشأن المعيشي اليومي.
وواصلت ليبيا لعب دور بلد العبور في ملف الهجرة غير النظامية، وسط ضغوط أوروبية متزايدة، بدون معالجة حقيقية لجذور الظاهرة.
دلالات رمزية
رغم كل ذلك، شهد العام بعض الأحداث الرمزية، مثل إعادة افتتاح مؤسسات ثقافية في طرابلس، قُدّمت بوصفها مؤشراً على عودة الحياة العامة ومحاولة ترميم صورة الدولة. هذه الخطوات، وإن كانت محدودة الأثر، حملت دلالات سياسية وثقافية، تعكس سعي السلطات في الغرب إلى إظهار قدر من الاستقرار وسط واقع هش.
وبالمجمل يمكن توصيف 2025 في ليبيا كعام إدارة الانقسام لا إنهائه، فقد تحركت المسارات السياسية والأممية والاقتصادية بالتوازي، ونجحت أحياناً في منع الانفجار، لكنها فشلت في إنتاج حل نهائي، في حين استمر النفط في لعب دور صمام الأمان.
وبقي الحوار السياسي مفتوحاً بدون أفق واضح، فيما ظل السلاح هو العامل الحاسم في معادلة القوة، وهكذا، أنهت ليبيا العام وهي أكثر حركة من سنوات سابقة، لكنها ليست بالضرورة أقرب إلى الاستقرار، بل إلى مرحلة انتقالية أطول، أكثر هدوءاً في الشكل، وأكثر تعقيداً في الجوهر.
______________