أحمد الخميسي

رغم تسجيل الاقتصاد الليبي معدلات نمو مرتفعة خلال عام 2025، مدفوعة بزيادة إنتاج النفط، يحذر خبراء من أن هذا النمو لم ينعكس على أوضاع المالية العامة أو معيشة المواطنين، في ظل استمرار الانقسام المالي، وتضخم الإنفاق العام، وضعف أدوات السياسة النقدية؛ مما يعمق هشاشة الاقتصاد ويُفاقم اختلالاته البنيوية.

ويقول الخبير المالي الليبي، سليمان الشحومي، إن أبرز ملامح عام 2025 تمثلت في استمرار الانقسام المالي وازدواجية الإنفاق بين الحكومتين، إلى جانب تفاقم الدين العام بصورة منفلتة، ومن دون وضوح في آليات إدارته أو التزام بالقوانين المالية.

وأضاف لـ العربي الجديدأن مؤشرات الاقتصاد الكلي أظهرت تحسناً نسبياً، مع تحقيق معدلات نمو إيجابية مقارنة بالسنوات السابقة، مدفوعة بارتفاع إنتاج النفط، غير أن هذه المؤشرات لا تنعكس على الإيرادات العامة، بسبب ما وصفه بـ إشكالية التحصيلوضعف الشفافية بشأن ما يُورد فعلياً إلى مصرف ليبيا المركزي.

وفي ما يتعلق بالتضخم، أوضح الشحومي أن البيانات الرسمية تشير إلى تراجع معدلاته، لكن الواقع في السوق المحلية يعكس صورة مغايرة، مع ارتفاع ملحوظ في أسعار السلع الأساسية. وعلى صعيد الاستثمار الأجنبي، أكد غياب استثمارات جديدة في ليبيا، وتراجع الموجود منها إلى مستويات محدودة.

من جهته، قال المحلل الاقتصادي محمد أحمد لـ العربي الجديدإن الأثر الاقتصادي المتوقع على ليبيا في عام 2026 لا يرتبط بنقص الموارد، بل بفائض طلب غير منضبط مقارنة بالطاقة الحقيقية للاقتصاد. وأضاف أن الإيرادات النفطية، حتى وإن كانت كافية لتمويل الإنفاق العام، ستواصل تغذية توسع نقدي لا يقابله توسع إنتاجي؛ مما يزيد الضغط على الواردات وسعر الصرف.

وأوضح أن ما يُنظر إليه محلياً أنه أزمة سيولة أو سعر صرف هو انعكاس لمسار عالمي وإقليمي أوسع، في ظل شلل شبه كامل في أدوات السياسة النقدية، وغياب سعر فائدة فعال أو سوق دين أو آليات تعقيم نقدي، معتبراً أن الإنفاق العام بات الأداة الوحيدة المتاحة، بينما تُستخدم تعديلات سعر الصرف حلولاً مالية لا إصلاحية.

بدوره، قال أستاذ الاقتصاد بالجامعات الليبية، عبد الحكيم أنبية، إن الاقتصاد الليبي مر خلال عام 2025 بعدد من المشكلات، في مقدمتها خفض قيمة الدينار خلال إبريل/ نيسان الماضي (وهو التخفيض الثاني في أقل من خمس سنوات)، إلى جانب غياب أي آلية لضبط الإنفاق العام الذي تجاوز 303 مليارات دينار، واستمرار الصرف الموازي بين حكومتين، ووجود عجز في ميزان المدفوعات.

وأشار خلال حديثه لـ العربي الجديدإلى عدم وجود أدوات واضحة للسيطرة على عرض النقود، باعتباره الأداة الأساسية لإدارة الاقتصاد؛ مما يفاقم الاختلالات النقدية والمالية.

ورغم هذه التحديات، تُظهر توقعات المؤسسات الدولية أرقام نمو مرتفعة؛ إذ يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً حقيقياً للناتج المحلي الإجمالي يراوح بين 15.6% و17.3% خلال عام 2025، بينما قدر البنك الدولي النمو بنحو 13.3%، مدفوعاً بارتفاع نشاط قطاع النفط بنسبة 17.4%.

كما توقع صندوق النقد العربي نمواً بنسبة 14.3%، لتتصدر ليبيا الاقتصادات العربية من حيث وتيرة النمو.

وأشار المحلل الاقتصادي، عادل المقرحي، إلى أن قراءة أعمق للوضع المالي الليبي تكشف أن التركيز على الأرقام الكلية وحدها قد يخفي فرصاً للإصلاح، قائلاً: “الاقتصاد الليبي يمتلك إمكانات كبيرة للتحول إذا تم استغلال الإيرادات النفطية بطريقة استراتيجية، عبر دعم قطاعات إنتاجية متنوعة وتحسين التحصيل الضريبي والرقابة على الإنفاق“.

وأضاف لـ العربي الجديدأن النمو المرتفع في إنتاج النفط يمكن أن يصبح عاملاً إيجابياً حقيقياً إذا رافقه تخطيط مالي واضح وإصلاحات مؤسسية، بدلاً من أن يبقى مجرد مؤشر شكلي لا ينعكس على الاقتصاد الحقيقي والمعيشة اليومية“.

وفي سياق متصل، اعتمد مجلس النواب الليبي في بنغازي ديناً عاماً مصرفياً قائماً على الخزانة العامة حتى عام 2025 بقيمة تجاوزت 303.4 مليارات دينار ليبي (نحو 55 مليار دولار)، وفق ما نُشر في الجريدة الرسمية يوم الثلاثاء 23 ديسمبر 2025.

ومنذ مطلع عام 2022، تشهد ليبيا وجود حكومتين متوازيتين: الأولى حكومة أسامة حماد ومقرها بنغازي وتدير مناطق الشرق والجنوب، والثانية حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة المعترف بها دولياً ومقرها طرابلس وتشرف على مناطق الغرب.

__________

مقالات مشابهة