علي العسبلي

في السردية الغربية، يُقدّم القانون الدولي بوصفه مرجعية عُليا تحكم العلاقات بين الدول وتُقيّد استخدام القوّة.
لكن التجربة العملية تقول شيئًا مختلفًا تمامًا: القانون الدولي يفقد قيمته حين يتعارض مع إرادة ما يُسمّى بالدول العظمى، ولا يُستدعى إلا عندما يكون أداة ضدّ دول الجنوب أو ضدّ من يشقون عصا الطاعة.
الولايات المتحدة تتصرّف منذ عقود باعتبارها شرطي العالم، لا بوصفها دولة خاضعة للقانون، بل جهة تُحدّد متى يُطبّق القانون ومتى يُعلّق. ما يسمّى “العالم الحر” الذي تتبجّح واشنطن بقيادته ليس سوى عالم خاضع لهيمنتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.
الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان هنا ليست قيمًا عالمية، بل امتيازات مشروطة بالولاء والرضوخ، وغالبًا على حساب السيادة والاستقلال.
فنزويلا مثال مُتجدّد وواضح على هذا المنطق. دولة مستقلة ذات سيادة، عضو في الأمم المتحدة، تُحاصر اقتصاديًا، وتُفرض عليها عقوبات أحادية، وتُصادَر أصولها، وتُمنع من التصرّف في مواردها، تحت ذرائع “نشر الديمقراطية” و“مكافحة الإرهاب والمخدرات“.
وحين لم تكف العقوبات والحصار والإفقار على مدار عقود، جرى الانتقال إلى مراحل أخطر، شملت استخدام القوّة واختطاف رئيس الدولة، في استخفاف كامل بمبدأ السيادة وبقواعد القانون الدولي.
يُستدعى القانون الدولي للتبرير، ويُهمل حين يُصبح عائقًا أمام أطماع الدول المُتجبّرة
اختطاف رئيس دولة أو الإعلان عن اعتقاله، حتى لو جرى تغليفه بلغةٍ قانونية، لا يُمكن اعتباره إجراءً قانونيًا وفق أيّ معيار دولي.
هو انتهاك صريح لسيادة دولة مستقلة، وخرق لميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدام القوّة، وانتهاك لمبدأ الحصانة لرؤساء الدول أثناء توليهم مناصبهم. باختصار، هو عمل عدواني وفق القانون الدولي مهما كانت الذرائع.
لكن فنزويلا ليست حالة معزولة. تاريخ أميركا اللاتينية مليء بأمثلة التدخّل الأميركي السافر تحت عناوين وحجج مُتشابهة.
في عام 1954، أُطيحت حكومة غواتيمالا المُنتخبة، لتدخل البلاد بعدها في عقود من القمع والحرب الأهلية التي أودت بحياة أكثر من مئتي ألف إنسان.
وفي تشيلي عام 1973، أُسقط رئيس منتخب بدعم أميركي مباشر، وسُلّمت البلاد لحكم عسكري دموي.
أما في كوبا، فبعد فشل التدخّل العسكري مطلع ستينيات القرن الماضي، فُرِض حصار خانق طويل الأمد ما زال قائمًا منذ أكثر من ستة عقود.
وفي البرازيل عام 1964، دُفنت الديمقراطية تحت حكم عسكري استمرّ أكثر من عشرين عامًا.
دولة تتورّط اليوم في دعم الإبادة الجماعية في غزّة لا تملك شرعية أخلاقية لتقديم نفسها كمرجعية للقيم
هذا السجّل الإجرامي لا يمكن فصله عن تاريخ أوسع. فمنذ تأسيسها، قامت أميركا على إبادة السكان الأصليين، وأَزهقت حياة عشرات الملايين، بينما جرى عزل من تبقّى منهم في محميات، وهو جرح ما زال مفتوحًا ولم يُحاسب عليه أحد.
وفي عام 1945، ألقت الولايات المتحدة قنابل نووية قتلت أكثر من مئتي ألف مدني في هيروشيما وناغازاكي. وبعد ذلك بعقود، خاضت حرب فيتنام التي قُتل فيها ما يُقارب ثلاثة ملايين إنسان.
من هنا، يصبح من الصعب أخذ أيّ حديث أميركي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان على محمل الجد. دولة تتورّط اليوم في دعم الإبادة الجماعية في غزّة لا تملك شرعية أخلاقية لتقديم نفسها مرجعيةً للقيم.
ليبيا بدورها ليست استثناء عن هذا المنطق. انتفاضة الليبيين على حكم معمر القذافي لم تُترك لتأخذ مسارها الطبيعي. جرى القفز عليها من دول على رأسها أميركا، واستغلال مطالب الشعب وتطلّعاته، وتدمير ما تبقّى من البنية التحتية للدولة ومؤسّساتها بحجّة “حماية المدنيين وإرساء قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان“.
ثم، بعد مقتل القذافي، تُرك المدنيون لمصيرهم تحت رحمة المجموعات المسلّحة والمليشيات، في مشهد يُناقض تمامًا الذرائع التي رُفِعت لتبرير التدخّل.
لا تتعامل الولايات المتحدة مع القانون الدولي كمرجعية مُلزمة، بل كأداة لخدمة أهدافها التوسّعية
منذ ذلك الحين، تُركت ليبيا المُتشظيّة لتعيش واقعًا يوميًا من القتل والتعذيب والاختطاف والإخفاء القسري وانعدام الحريات الأساسية، وسط فوضى وانقسام وانهيار المؤسسات، حتى صار أقصى طموحات الناس أن يعيشوا من دون أن يوقظهم صوت الرصاص.
ومع ذلك، لم يظهر أيّ تحرّك من أميركا لحماية المدنيين أو لحماية الديمقراطية، ولا أيّ التزام فعلي بشعارات حقوق الإنسان التي لطالما تاجرت بها وقدّمتها مُبرّرًا للتدخّل.
على العكس، جرى التعامل مع قادة مليشيات وأمراء حرب، ودعمهم سياسيًا وعسكريًا، واستقبال بعضهم في واشنطن أبطالًا.
هذا التناقض ليس عرضيًا. الولايات المتحدة لا يعنيها ترسيخ الديمقراطية، بل خدمة مصالحها فقط. في فنزويلا كما في ليبيا، كان القانون الدولي حاضرًا بقوّة في الخطاب، وغائبًا في التطبيق، يُستدعى للتبرير، ويُهمل حين يُصبح عائقًا أمام أطماع الدول المُتجبّرة.
الخلاصة أنّ الولايات المتحدة لا تتعامل مع القانون الدولي بوصفه مرجعية مُلزمة، بل أداة لخدمة أهدافها التوسّعية. لا تنشر الديمقراطية، بل تُعاقب من يرفض الخضوع لها، ولا تُدافع عن حقوق الإنسان بوصفها قيمة عالمية، بل توظّفها حين تخدم مشروعها وتتجاهلها حين تُعيقه.
من فنزويلا إلى ليبيا، يوجد عالم تحكمه القوّة، ويسمّى زورًا نظامًا دوليًا قائمًا على القانون، حيث يطبّق القانون على الضعفاء، ويُعلّق كلّما اقترب من غطرسة الأقوياء.
____________
