عبدالله الكبير

اتساقا مع دورها كوسيط يعمل لأجل الوصول إلى أقصى توافق ممكن في كل القضايا الخلافية، تحاول البعثة الأممية في ليبيا لزم نهج الحياد بين الأطراف السياسية، وهذا يبدو واضحا في أغلب مواقفها التي تعلنها عبر البيانات الرسمية الصادرة عندها، المنشورة على منصاتها المعتمدة.

ومن دون التشكيك في النوايا، وعدم إهمال تعقيدات الأزمة المتراكمة منذ أكثر من عقد، وتضارب المصالح الدولية و الإقليمية، بما تمثله من قوة ضاغطة على البعثة، تفاديا لأي صدام محتمل مع أي طرف لن يكون مفيدا لمهمتها

ومع الصبر الطويل الذي اظهرته البعثة في تعاملها مع مجلسي النواب والدولة، ومنحهما الوقت الكافي للإنجاز، غير أنهما استمرا في تلكؤهما وعدم الاستجابة لإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، والتوافق على القاعدة القانونية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

هذه هي المطالب الأساسية في مبادرة البعثة الأممية، وهو ما ينسجم مع نهجها الأساسي بالتزام الحياد وعدم الميل مع أي طرف، وإبداء المرونة الكافية للتعامل مع هذه المماطلة الواضحة من المجلسين.

إلا أن هذا النهج امتد ليشمل ملفات لا حياد فيها، لذلك كان مستغربا موقفها من تهجم رئيس مجلس النواب على المحكمة العليا، واظهار استعدادها للعب دور الوسيط بينهما، وكأن المحكمة باتت طرفا سياسيا يتعين على البعثة الأممية تسوية الطريق لها لتدخل سريعا الى حلبة الصراع،  ويتم اعتمادها قانونيا وتشارك في الجولات المقبلة !!

المحكمة العليا بدائراتها الدستورية قائمة منذ تأسيس الدولة الليبية في منتصف القرن الماضي، وهي مرجعية قانونية ملزمة وأحكامها باتة غير قابلة للطعن، وتم اعتمادها في دستور معد من هيأة تأسيسية.

كما أن الإعلان الدستوري الحاكم لمرحلة ما بعد ثورة فبراير حتى اعتماد دستور جديد، يغل يد أي سلطة تشريعية مؤقتة من المساس بالبنية الأساسية للقضاء، باعتباره سلطة مستقلة لا يمكن إجراء أي تعديل عليها إلا بسلطة تشريعية انتجها دستور دائم.

الإعلان الدستوري يحدد صلاحيات الجسم التشريعي الانتقالي في إصدار القوانين والقرارات الضرورية للمرحلة الانتقالية فقط، وبما يخدم تسريع إنهاء هذه المرحلة.

لذلك تعد محاولة رئيس مجلس النواب المؤقت تأسيس محكمة دستورية وإلغاء الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا خرق للإعلان الدستوري لا يعتد به، باعتباره تجاوز باطل لصلاحياته، ومن ثم لا يستقيم حياد البعثة هنا بإعلان استعدادها للعب دور الوسيط في قضية محسومة بنص ملزم، تستطيع البعثة الإشارة إليه والتأكيد على عدم قبولها المساس به من دون أن تفقد حيادها ونزاهتها

في موضوع الخلاف حول مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، لم تعلق البعثة على الخطوة الأحادية التي أعلنها رئيس مجلس النواب بملء المواقع الشاغرة في مجلس إدارة المفوضية، متجاوزا الخطوات التي قطعتها اللجنة المشتركة بين مجلسي الدولة والنواب.

ولما بادر مجلس الدولة إلي انتخاب رئيس جديد للمفوضية، عبرت عن موقفها باستمرار جهودها في الوساطة وعدم ارتياحها الخطوات الاحادية، رغم أن المبادرة بكل الخطوات الأحادية السابقة واللاحقة مصدرها رئيس مجلس النواب دائما.

ثم تختم باستمرار اعترافها بالمجلس الحالي للمفوضية من دون الإشارة بوضوح إلى رفضها أو قبولها للأعضاء الجدد في مجلسها، ولا نعرف هل تعترف البعثة الأممية بالأحكام القضائية أم لا؟

إذ يوجد حكم قضائي يبطل ولاية رئيسها الحالي، فإذا كانت البعثة تنشد تحصين مجلس إدارة المفوضية من أي طعون يتعين عليها عدم تجاهل هذا الحكم لأن تجاوزه متعذر، والطعن في إجراءاتها سيكون متوقعا أمام المحاكم، بالدفع بهذا الحكم الذي يجري رئيس المفوضية الحالي من منصبه

الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي الذي رعته الأمم المتحدة نفسها، والسلطة القضائية المحصنة بالإعلان الدستوري، ينبغي أن تكون المرجعيات الأساسية لعمل البعثة ومواقفها في كل القضايا الخلافية، ولن تؤثر هذه المرجعية على حيادها ونزاهتها، بينما مسايرتها وعدم حزمها مع أي طرف يتجاوز هذه المرجعيات يعد نكوصا عن حيادها، وسيعزز الفكرة الشائعة أنها تدير الأزمة ولا تسعى لحلها.

_______________

مقالات مشابهة