المهدي هندي

يبدو لي إنه من نافل القول الحديث عن الانسداد السياسيفي ليبيا اليوم ولكنه في نفس الوقت لم يعد كافيًا لتوصيف حجم الكارثة؛ فنحن اليوم أمام حالة من التعايش مع الانهيار“.

فبينما كان الليبيون ينتظرون من مطلع عام 2026 أن يكون فجرًا ربما لشرعية جديدة، استيقظنا على ذات الوجوه وهي تعيد تدوير الأزمة، مستخدمةً هذه المرة القضاء كمتراس أخير في حرب البقاء على السلطة.

إن ما يحدث في هذه المرحلة الحرجة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة ليس خلافًا قانونيًّاحول المحكمة العليا أو المفوضية الوطنية للانتخابات، بل هو صراع نفوذبامتياز.

لقد تم الزج بالسلطة القضائية – التي كانت الحصن الأخير المتبقي – في أتون التجاذبات، مما جعل العدالة في بلادنا رهينة لمن يملك ختم التعيين أو سلطة الإقالة.

عندما تنقسم المحكمة الدستورية، وتسود لغة البيانات المتضاربة بين طرابلس وبنغازي حول مفوضية الانتخابات، فهُم لا يعرقلون المسار الديمقراطي فحسب، بل يعلنون رسميًّا عن وفاة الدولة الموحدةفي أذهان الناس.

وفي هذا السياق، تتجلى فوضى إدارة الاستحقاق الانتخابي بأوضح صورها؛ فبينما أصر مجلس النواب على فرض واقع جديد عبر تعيينات أحادية لشغل مقاعد مجلس المفوضية، ردّ المجلس الأعلى للدولة بتعيين رئيس جديد لها، مستندًا إلى منطق المحاصصة السيادية“.

هذا التضارب لم يقتل المسار الديمقراطي فحسب، بل نزع الثقة عن أي صندوق اقتراع مستقبلي؛ فكيف يمكن لمواطن أن يثق بانتخابات يختلف المتنافسون أنفسهم على الجهة التي تديرها وتشرف على نزاهتها؟

والمفارقة المضحكة المبكية، أن جميع هؤلاء الفرقاءيرتدون قناع التمسك بالانتخابات في خطاباتهم العلنية، بينما يمارسون خلف الكواليس سياسة الفيتوالمتبادل.

يريدون انتخابات على المقاس؛ تضمن بقاءهم أو تمنع خصومهم، وهي معادلة صفرية جعلت من صناديق الاقتراع سرابًا يبتعد كلما اقتربنا منه.

لكن الكلفة الحقيقية لهذا العبث لا يدفعها المتربعون على رأس السلطة شرقًا أو غربًا، بل المواطن الذي وجد نفسه أمام تخفيض إجباريلقيمة مدخراته

قرار مصرف ليبيا المركزي الأخير بخفض قيمة الدينار بنسبة 14% مقابل العملات الأجنبية للمرة الثانية على التوالي خلال عام ليس مجرد رقم في نشرة اقتصادية؛ إنه اعتراف صريح بأن الفشل السياسي قد استنزف جيوب الليبيين.

هو إعلان بأن الانقسام الحكومي وغياب الميزانية الموحدة قد أحالا لقمة عيش المواطن إلى ورقة ضغط في صراع السلطة.

إن بلادنا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من خرائط الطريقالدولية التي تُولد ميتة، بل تحتاج إلى شجاعة وطنية لانتشال القضاء والمؤسسات السيادية من وحل التسييس.

استمرار الوضع الراهن يعني شيئًا واحدًا : أننا نمضي نحو صوملةتدريجية للدولة، حيث تصبح المؤسسات مجرد دكاكين سياسية، والانتخابات مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي، ووهمٌ يكبر يومًا بعد يوم، بينما يدفع الشعب ثمن هذا العناد من رزقه ومستقبل أبنائه.

_____________

مقالات مشابهة