عبدالله الكبير
أي خطوة مهما كانت صغيرة نحو تقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، هي خطوة في الاتجاه السليم على طريق تنويع مصادر الدخل، لا يسع المرء إلا الإشادة بها والثناء عليها.
الاعتماد على النفط فقط يعني رهن الاقتصاد الوطني والقرار السيادي للخارج.القوى الدولية والشركات الكبرى وتقلبات السوق، فضلا عن كونه ثروة ستؤول إلى النضوب، وتراجع قيمتها أمام مصادر أخرى للطاقة، بدأ العالم يتجه لها لأنها أقل تكلفة وأكثر استدامة مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية وغيرها، و أقل تأثيرا على البيئة.
تأخرنا كثيرا في اقتحام حركة التجارة الدولية في عالم اليوم، ولم نستغل الامكانيات الطبيعية المتاحة لنا، كالموقع الجغرافي والمناخ المعتدل والشواطئ الهادئة والنظيفة، مع إمكانيات أخرى واعدة كالسياحة الثقافية في مدن العالم القديم. لبدة وشحات وصبراتة، وكذلك السياحة الصيفية على الشواطئ.
وبيئة طبيعية ملائمة لانتاج بعض المحاصيل الزراعية العالية الجودة كالتمور والحمضيات وزيت الزيتون، وهي إمكانيات هائلة ستدر على بلادنا دخلا يفوق ما نجنيه من النفط.
لذلك كانت خطوة توقيع عقد تطوير ميناء المنطقة الحرة بمصراتة، بمشاركة دولة قطر مع شركات ذات خبرة وإمكانيات كبيرة في تجارة الحاويات، خطوة مهمة في طريق تنويع مصادر الدخل وتوفير فرص عمل للكوادر الليبية، إذ سيوفر المشروع أكثر من 8000 وظيفة مباشرة، وعشرات الآلاف من الوظائف غير المباشرة في قطاعي النقل والخدمات، وتشير التقديرات إلى عائدات تقدر بنصف مليار دولار.
تجارة العبور ازدهرت في ليبيا خلال القرون الماضية، عبر القوافل مع البلدان الأفريقية جنوب الصحراء، وعبر البحر المتوسط مع أوروبا، تصدر أفريقيا العاج وجلود الحيوانات والفرو وريش النعام وبعض المنتجات الأخرى، وتصدر أوروبا إلى أفريقيا الأثاث والأسلحة والقماش.
كما نشطت الموانئ الليبية في تصدير الملح المستخرج من ملاحات زوارة وسبخة مصراتة، ووصل الملح الليبي عبر أعالي البحار إلى السويد.
أما في البلدان الأوربية الأخرى فقد أبرمت العقود لتصديره إلى البندقية ثم تجري إعادة توزيعه إلى الدول والامبراطوريات الأوربية، فقد كان الملح في القرون الماضية سلعة استراتيجية استخدمها الأوروبيون في حفظ اللحوم وفي صناعة المصبرات وبعض أنواع الحلويات.
تراجعت تجارة القوافل خلال القرن العشرين حتى انقرضت تماما، لأسباب لا يتسع المقام لشرحها، ولكن بالتأكيد تطور وسائل المواصلات، وزيادة النشاط البحري عبر السفن التي تعمل بالنفط كانت من أبرز العوامل في هذا التحول.
وهنا يقفز سؤال عجيب: كيف نكون طرفا فاعلا في التجارة الدولية بين القارات في قرون ما قبل الثورة الصناعية، ثم يتلاشى دورنا تماما في العصر الحديث؟
في عالم اليوم الذي تتداخل فيه الدول والشركات عبر سلاسل الإمداد والتوريد، بتدفق السلع عبر النقل البحري والبري والجوي بين كل القارات، لا مندوحة عن استغلال موقعنا الجغرافي المهم، بين أوروبا وأفريقيا وآسيا، والاندماج مع هذه الشبكات الاقتصادية العالمية، لنحصل على نصيبنا من تجارة العبور كما كنا زمن القوافل.
الشراكة مع دول لها تجربة في الاستثمار مثل قطر وإيطاليا، ومع شركات عملاقة في التجارة البحرية مثل شركة MSC، ستعود بفوائد كبيرة على المنطقة الحرة، التي ستصبح محطة ضخمة للحاويات، ونجاح المشروع وتحقيقه لأهدافه خلال بضع سنوات سيكون إغراء مثاليا لمستثمرين آخرين، لأن هذا النجاح يعني وجود بيئة مشجعة وملائمة للاستثمار.
الشراكة مع المستثمر الخارجي باتت ضرورية، ليس لغرض التمويل المالي، فليبيا لا تنقصها الموارد المالية، ولكننا بحاجة إلى الخبرات التشغيلية في الموانئ الحديثة، وبحاجة إلى إمكانيات متقدمة في مد الأرصفة وزيادة العمق ليصبح الميناء جاهزا لاستقبال ناقلات الحاويات العملاقة.
من يهاجمون هذا المشروع اليوم دون دراية كافية بأهميته لبلادنا، سوف يتراجعون حين يتخلصوا من العناد والتعصب والتأويل السياسي، شأنهم شأن من هاجموا الاتفاقية البحرية مع تركيا، ثم أعادوا النظر في موقفهم بعدما استمعوا إلى شروح وافية عن الفوائد والمكاسب التي ستحققها الشراكة البحرية مع تركيا.
____________
