أمين أيوب

تُقدَّم الدبلوماسية المكوكية التي قادها مسعد بولس بين طرابلس وبنغازي، وتُوِّجت بلقاءات يومي 24 و25 يناير 2026، في واشنطن بوصفها «واقعية براغماتية».

غير أنّها في الواقع تعكس قبولًا مقلقًا باستدامة الاختلال الليبي، وتُخاطر بتكريس البلاد في حالة عدم استقرار مُدار يخدم مصالح قصيرة الأجل، بينما يقوّض أي مسار متبقٍ نحو دولة ذات سيادة وخاضعة للمساءلة.

ومن خلال التنقل بين اجتماعات تنسيقية مع الأمم المتحدة في طرابلس والانخراط المباشر مع قيادة «الجيش الوطني الليبي» في بنغازي، تُرسل الولايات المتحدة إشارة واضحة بالابتعاد عن التعددية القائمة على الثقة.

لكن هذا التحول لم يُنتج إصلاحًا أو تماسكًا؛ بل رفع من شأن أصحاب السلطة الفعلية على حساب المؤسسات، معززًا منطقًا مفاده أن القوة وشبكات العائلة أهم من الشرعية القانونية أو القبول الشعبي.

وكشفت لقاءات بولس مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه عن فجوة متزايدة بين الخطاب والممارسة. ففي الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن علنًا دعمها لخارطة طريق الأمم المتحدة والانتخابات والحوار المنظم، تبعث دبلوماسيتها الموازية برسالة مختلفة للفاعلين الليبيين: يمكن تجاوز الشرعية إذا ما توفّر التحكم في الأرض أو السلاح أو تدفقات الإيرادات.

هذا التناقض يضعف المسار الأممي ويكافئ التعطيل بدلًا من التسوية.

ويؤكد استقبال صدام حفتر لبولس في مقر الرجمة هذا التحول. فالتعامل مع القيادة العسكرية بوصفها مخاطِبًا سياسيًا أساسيًا يطبع دور الفاعلين المسلحين كحكّام دائمين لمستقبل ليبيا، ويعزز الانطباع بأن الصراع سيُدار عبر صفقات نخبوية، لا عبر مصالحة وطنية أو إعادة بناء مؤسسية.

كما أسهمت جهود سابقة، منها لقاء روما الذي جمع شخصيات مرتبطة بمراكز القوى في الشرق والغرب، في ترسيخ هذا النهج. إذ إن الانخراط مع ورثة عائلات سياسية متنافسة خارج الأطر الرسمية يُعدّ، ضمنيًا، إقرارًا باستمرارية سلالية كبديل عن الشرعية الديمقراطية.

وهذا ليس اعترافًا محايدًا بالواقع، بل تدخلًا يُجمِّد تطور ليبيا السياسي في أكثر صوره تشوهًا.

أما اتفاق النفط والغاز بقيمة 20 مليار دولار، الموقّع أواخر يناير 2026، فقد رُوِّج له كإنجاز مُثبت للاستقرار. غير أن رهن مستقبل ليبيا برأسمال أجنبي معزول عن المؤسسات الوطنية ينطوي على خطر خلق اقتصاد جُزُري منفصل عن المساءلة العامة.

فإيرادات النفط التي تتدفق بمعزل عن دولة فاعلة لا توحِّد البلاد؛ بل تُفاقم التنافس، وتعمّق الفساد، وتُرسِّخ شبكات الحماية المسلحة حول الأصول الاستراتيجية.

وتحت سطح هذه الصفقات، تواصل الأسس الاقتصادية لليبيا تدهورها. فالخفض الحاد لقيمة الدينار في وقت سابق من هذا العام ليس تصحيحًا تقنيًا، بل دليل على إنهاك مؤسسي.

وقد اختُزل مصرف ليبيا المركزي إلى آلية لدرء الانفجار الاجتماعي عبر صرف الرواتب، فيما تُفرِّغ النفقات الموازية وتداول العملات في الظل وتسرب المال غير المنضبط ما تبقى من سلطة الدولة.

وتدرك الأطراف الإقليمية على نحو متزايد حجم الخطر. فاجتماعات تونس التي ضمت مصر والجزائر وتونس تعكس قلقًا حقيقيًا من أن شلل ليبيا، مقترنًا بالحرب الطويلة في السودان، يخلق ممرًا واسعًا لعدم الاستقرار عبر شمال أفريقيا. ومع ذلك، تبقى الدبلوماسية الإقليمية حذرة وتصريحية، عاجزة عن فرض ضغط فعّال على نخب ليبية تستفيد من التأجيل والانقسام.

وفي هذا السياق، يبدو تجديد التركيز على الانتخابات بوصفها استراتيجية خروج منفصلًا أكثر فأكثر عن الواقع. فالانتخابات لا يمكن أن تنجح في غياب أمن موحّد، والأمن الموحّد لا يمكن أن يتبلور ما دامت اقتصادات الميليشيات وسلاسل القيادة الموازية تُعامَل كوقائع لا مفرّ منها بدل كونها عوائق يجب تفكيكها.

إن التكرار المستمر للجداول الانتخابية يهدد بأن يتحول إلى طقس يحجب التقاعس بدل أن يكون مسارًا للحل.

هذا المنعطف يتطلب وضوحًا، لا سيما من واشنطن. فالنهج الحالي لا يثبّت ليبيا؛ بل يُدير تآكلها. ومن خلال تفضيل الهدوء القصير الأمد، وتدفقات الطاقة، والتعامل النخبوي على إعادة بناء المؤسسات والشرعية الشعبية، تُخاطر الولايات المتحدة بترسيخ الديناميات نفسها التي جعلت ليبيا غير قابلة للحكم.

هذه هي الرسالة التحذيرية. فالواقعية التي تتخلى عن بناء الدولة ليست واقعية، بل تخلٍّ عن المسؤولية. لا يمكن إدارة ليبيا إلى ما لا نهاية بوصفها مجرد مسألة موارد وأمن من دون كلفة سياسية. وإذا واصلت الولايات المتحدة هذا المسار، فإنها ستسهم في إنشاء دولة دائمة الاضطراب، يهدد تفككها الأمن الإقليمي ويقوّض المصالح ذاتها التي تسعى واشنطن إلى حمايتها.

_____________

مقالات مشابهة