حسان العيادي

كشفت قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد المنعقدة نهاية الأسبوع الفارط، عن تغييرات عدة على المشهد الليبي، خاصة ان تعلق الأمر بالسياسة الأميركية تجاه الدولة النفطية، والتي تبدو كأنها تشهد انتقالا من مراقبة في السنوات الماضية إلى الانخراط المكثف في الحاضر دون البحث عن حسم سياسي لأزمة انطلقت منذ 2011.
فما يميز السياسة الأمريكية اليوم بشأن ليبيا أنها تقوم على ضمان حدّ الأدنى من الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد لتحقيق هدفين مركزيين وهما الحدّ من توسّع نفوذ قوى إقليمية ودولية في البلاد والثاني هو ضمان تدفق النفط، وهو ما يعنى انها لا تسعى الى الحسم السياسي للأزمة الليبية.
و هذا التحوّل عبر عنه بإعادة تموضع دبلوماسي وعسكري واقتصادي أمريكي عكس إدراك واشنطن إلى أن خيار فرض تسوية شاملة سريعة في الملف الليبي بات أمر شبه مستحيل في السياق المحلي أو ألإقليمي أو الدولي وأن الخيار الأفضل بالنسبة لها أن تعدل سياستها لتكون متوافقة مع رهاناتها الحالية، أي أن تعمل على إدارة الانقسام وضبط موازين القوى المحلية والإقليمية عوضا عن البحث عن حل شامل يوحد البلاد ومؤسساتها.
هذا التوجه الذي يمكن تعريفه اختزالا بـ«إدارة الانقسام» لم يكن وليد قمة الطاقة والاقتصاد الليبية بل كان سبقا لها بأشهر عدة، غير أن الاتفاقيات التي أعلن عنها في القمة ثبتت هذا التحول الذي وظفت من أجله إدارة ترمب أدوات عدة أبرزها التدريب العسكري والمناورات المشتركة، والتنسيق الاستخباراتي، وبرامج دعم قدرات المؤسسات العسكرية الليبي بشقيها الشرقي والغربي، وهنا تبرز أفريكوم وقادتها في المشهد سواء في طرابلس أو بنغازي كأداة رئيسية للسياسة ألأمريكية في ليبيا إضافة إلى مسؤولين ماليين واقتصاديين.
وملمح الشخصيات الأمريكية الحاضرة اليوم في المشهد الليبي يؤكد أن الرهان الأميركي ليس حلا الصراع الليبي بقدر ما هو الحفاظ عليه ولكن بضمان تدفق النفط إلى الأسواق، وهو الأمر الذي لن يكون سلسا دون توحيد سياسات المؤسسات الليبية في الغرب أو الشرق في ملفات النفط والمالية، وهو ما عكسته زيارة مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي ترمب إلى ليبيا على هامش قمة الطاقة أو زيارات سابقة أداها مسؤولون أمريكيون سواء إلى بنغازي أو طرابلس.
وهو ما يشير في المرحلة الراهنة، إلى تحول مهم في معالجة الملف الليبي اللذي انتقل تدريجيًا من كونه مساحة أوروبية إلى مساحة مشتركة أميركية – أوروبية، حيث تعيد واشنطن رسم قواعد اللعبة بما يتوافق مع مصالحها الأمنية والاقتصادية والسياسية، دون أن يعنى ذلك إقصاء لأوروبا التي تبقى فاعلًا محوريًا، لا يمكن تجاوزه بسبب الروابط التاريخية مع ليبيا ومصالحها المباشرة، وهو ما تم الحفاظ عليه وتثبيته أيضا في قمة الطاقة التي نالت فيها شركات أوروبية نصيبها من الاستثمارات.
لكن الجديد هنا هو ما تتجه إليه واشنطن اليوم في ليبيا عبر إدارة الانقسام بدل حله، وضبط الهشاشة في الداخل الليبي عوض إنهائها، من خلال توظيف أدوات التدخل غير المباشر وأبرزها أداة التنسيق العسكري عبر أفريكوم التي باتت اليوم تشرف على التدريب وتقوم بمناورات مشتركة مع القوات الليبية بالإضافة لما تقدمه من دعم استخباراتي، وغيرها من الأدوات التي تمكن الولايات المتحدة من إعادة التموضع كلاعب رئيسي في الملف الليبي دون أن تقع في مواجهة مباشرة مع الأوروبيين.
هذا السياق الجديد يفرض على دول الجوار تحدي مزدوج، أمني وسياسي، يحتم عليها التكيف مع تحول موازين النفوذ والقوى في ليبيا التي سيغير مشهدها التوازن الإقليمي، وتضع دول الجوار خاصة تونس مصر والجزائر أمام فرضية احتكار النفوذ في ليبيا بيد القوى الكبرى وما يعنيه ذالك من انعكاسات سياسية وأمنية عليها في المستقبل.
فالمتغير الأميركي في ليبيا، ليس مجرد إعادة توجيه للسياسة الخارجية، بقدر ما هو إشعار بأن اللعبة الإقليمية أصبحت أكثر تعقيدا، وان احد اكبر دول المنطقة مجاليا باتت مساحة للتنافس بين قوى دولية وإقليمية قد تمتد في المجال أو في الزمن فتفرض على دول الجوار تحديات كبرى غير مسبوقة.
______________