علي قاسم

يتميز نهج كل من تونس والمغرب رغم اختلاف السياقات بتشديده على مبدأ الحياد وعدم فرض الحلول. إنهما لا تطرحان نفسيهما كحَكَم أو كضامن بل كجهتين مضيفتين تقدمان مساحة محايدة للحوار.

عندما أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد استعداد بلاده لاستضافة مؤتمر يجمع الفرقاء الليبيين، كانت رسالته مباشرة: “الحل يجب أن يكون داخلياً، ليبيا–ليبيا”. بهذا الموقف، قدمت تونس نفسها كوسيط نزيه في مشهد إقليمي مثقل بتدخلات خارجية غذّت الانقسام الليبي لأكثر من عقد. تونس لا تعرض نفسها كحَكَم يفرض الحلول، بل كمنصة للحوار، في محاولة لإعادة تعريف دور دول الجوار كحاضنة للحوار الوطني لا كأداة نفوذ.

هذه المبادرة ليست معزولة. ففي ديسمبر 2024، احتضنت مدينة بوزنيقة المغربية لقاءً تشاورياً بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة الليبيين.

وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ذكّر حينها بـ”روح الصخيرات”، الاتفاق السياسي الذي وقع عام 2015، مؤكداً على ثوابت السياسة المغربية: احترام السيادة، رفض التدخلات، ودعم المؤسسات الليبية في مسارها نحو الاستقرار.

تونس، مثل المغرب، تطرح نفسها كوسيط بلا أطماع، مستندةً إلى سجل دبلوماسي خالٍ من نزعة الهيمنة.

تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه الخطوات في توقيتها وطبيعتها. فبعد أكثر من عقد على سقوط نظام معمر القذافي، وأمام فشل متكرر للمبادرات الدولية التي قادتها الأمم المتحدة في كثير من الأحيان، يبدو أن هناك إدراكاً متزايداً في العواصم المجاورة بأن استمرار حالة الفوضى والانقسام في ليبيا لم يعد يشكل تهديداً للاستقرار الداخلي الليبي فحسب، بل يمتد خطره ليطال الأمن القومي لدول الجوار بأكمله.

من تدفقات الهجرة غير النظامية عبر الحدود المترامية، إلى انتشار الجماعات المسلحة والتهريب بأنواعه، وصولاً إلى تقلبات أسواق الطاقة، فإن تداعيات الأزمة الليبية تتخطى الحدود بشكل ملموس. لذلك، فإن الموقف التونسي، الذي جسده تصريح الرئيس قيس سعيد، لا يعبر فقط عن مبدأ دبلوماسي، بل عن ضرورة وجودية للدول المجاورة.

ويتميز نهج كل من تونس والمغرب، رغم اختلاف السياقات، بتشديده على مبدأ الحياد وعدم فرض الحلول. إنهما لا تطرحان نفسيهما كحَكَم أو كضامن، بل كجهتين مضيفتين تقدمان مساحة آمنة ومحايدة للحوار.

هذا التمييز دقيق وحاسم. فالتجربة الليبية منذ 2011 شهدت العديد من الاتفاقيات السياسية، بدءاً من اتفاق الصخيرات عام 2015، والتي غالباً ما تمت صياغتها تحت رعاية دولية أو إقليمية، ووقعتها نخب سياسية كانت أحياناً منفصلة عن القوى الفاعلة على الأرض.

وكان مصير هذه الاتفاقيات هو الانهيار عند أول اختبار حقيقي، لأنها افتقرت إلى الأساس الضروري من التوافق الداخلي العميق والتمثيل الحقيقي للقوى الاجتماعية والعسكرية المؤثرة. المبادرة المغربية، واليوم المبادرة التونسية، حاولتا قلب هذه المعادلة من خلال وضع الليبيين في مركز العملية وتمكينهم من قيادة الحوار بأنفسهم.

غير أن هذا النهج الواعد يصطدم بواقع ليبيا الداخلي المتشظي والمعقد، وهو واقع يشكل التحدي الأكبر لأي مسار للحوار. فالتقسيم الظاهري بين شرق البلاد وغربها يخفي تحته انقسامات أعمق تتمثل في شبكات معقدة من التحالفات القبلية والمصالح المحلية والولاءات الشخصية.

لقد تفتت مؤسسة الدولة، وأصبحت السيادة الفعلية موزعة بين عشرات الميليشيات المسلحة والجماعات التي تتحكم في مناطق النفوذ وتدير اقتصادات موازية قائمة على الريع والتهريب، من تهريب النفط إلى العملة والأسلحة والبشر.

في هذا السياق، تحولت الثروة النفطية الهائلة للبلاد، والتي تمثل أكبر احتياطي في أفريقيا، من عامل استقرار محتمل إلى مصدر رئيسي للصراع والفساد، حيث تتجادل الحكومات المتعارضة على إيراداتها وتتهم بعضها البعض بالارتهان لمصالح شركات النفط الأجنبية.

ويزيد من تعقيد المشهد الوجود العسكري الأجنبي المباشر، من مرتزقة مجموعة فاغنر الروسية إلى القوات التركية والمقاتلين السوريين، مما يحول ليبيا إلى ساحة للصراع بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية.

هذا الوجود لا يطيل أمد النزاع فحسب، بل يقوض أي جهد جاد لنزع السلاح وبناء جيش وطني موحد، وهي عملية لا غنى عنها لأي تسوية سياسية حقيقية. في مواجهة هذا المشهد، تجد النخب السياسية في طرابلس وطبرق وغيرها نفسها في حالة من المقاومة الخفية للوضع الراهن، حيث يوفر الاستقرار على حالة الجمود والانقسام مكاسب ومصالح آنية قد تبدو لهم أكثر ضماناً من مخاطر الدخول في تسوية سياسية شاملة قد تقلص نفوذهم وتعيد توزيع السلطة والثروة.

لذلك، فإن نجاح أي مبادرة إقليمية، مهما بلغت نزاهة ودعم الدول المضيفة، يبقى رهناً بعامل جوهري واحد: ظهور إرادة سياسية ليبية جماعية حقيقية وجريئة.

يجب أن تنضج قناعة بين القادة والفاعلين الليبيين المتنافسين بأن تكلفة استمرار الوضع الحالي، على المستوى الوطني، قد فاقت أي منافع شخصية أو جهوية قد يجنونها منه.

إنه يتطلب استعداداً نادراً للتضحية بالمصالح الضيقة والمراكز المكتسبة على مذبح المصلحة الوطنية العليا، والتفاوض من أجل بناء دولة مؤسسات وليس فقط لتقاسم مغانم السلطة الحالية.

إن غياب هذه الإرادة هو ما أفشل المحاولات السابقة، وهو التحدي الذي ستواجهه المبادرات التونسية والمغربية أيضاً.

بالإضافة إلى ذلك، حتى تكون لمثل هذه المبادرات مصداقية وقابلية للاستمرار، فإنها لا يمكن أن تتعامل مع الأزمة الليبية كمعضلة سياسية وقانونية بحتة. يجب أن تضع في صلب أي حوار مقترح الملف الاقتصادي والمالي، وبالتحديد قضية الإدارة الشفافة والعادلة لثروة البلاد النفطية.

إن إقامة نظام حوكمة موحّد وواضح لإيرادات النفط، يضمن توزيعاً عادلاً بين المناطق ويوجه الموارد نحو إعادة الإعمار والتنمية، يمكن أن يكون حافزاً قوياً للأطراف للتوصل إلى اتفاق.

إن تجاهل هذا الملف الحيوي، والتركيز فقط على تشكيل حكومات وتعديل دساتير، هو وصفة لإنتاج تسويات هشة كما حصل في السابق.

وفي الختام، فإن المبادرتين التونسية والمغربية تمثلان نهجاً مختلفاً ومطلوباً في التعامل مع الأزمة الليبية.

إنهما تحاولان استعادة الدور الطبيعي لدول الجوار كداعم للاستقرار وليس كمشارك في النزاع، وتقديم بديل للمنصات الدولية التي، رغم نواياها الحسنة، غالباً ما تأتي بحلول جاهزة لا تراعي تعقيدات النسيج الاجتماعي الليبي.

غير أن هذا النهج ليس عصا سحرية. إنه يقدم فرصة، ربما تكون من الفرص الأخيرة، للفاعلين الليبيين لالتقاط أنفاسهم والتحاور بعيداً عن الأضواء الدولية المباشرة والضغوط الفورية.

لكن مصير هذه الفرصة يقع في النهاية على عاتق الليبيين أنفسهم. فإما أن يغتنموا هذه المساحة الإقليمية المحايدة لبدء حوار داخلي صادق وشامل، يقبلون خلاله بتقديم التنازلات اللازمة لإنقاذ بلدهم من الهاوية، وإما أن يضيعوا هذه الفرصة أيضاً في متاهات المماطلة والمناورة، ليتركوا ليبيا تراوح مكانها كدولة منقوصة السيادة، وملعباً للمصالح الخارجية، وواحة للفوضى التي تهدد الجميع.

الخيار، في نهاية المطاف، ليس بين الوساطة التونسية أو المغربية أو غيرها، بل بين استعادة الإرادة الوطنية أو الاستمرار في الانحدار.

***

علي قاسم ـ كاتب سوري مقيم في تونس

___________

مقالات مشابهة