ابراهيم الاصيفر

ليبيا اليوم ليست دولة ولا برلمانها مجلس نواب بل مسرحية مستمرة على خشبة واسعة.

كل نائب هنا مجرد ممثل، أدواره معدة مسبقاً، وكل كلمة يقولها هي نص مكتوب في غرف خلفية، وكل قرار يتم إملاؤه من قوى خارجية أو من شبكة ولاءات عائلية وعسكرية.

الشعب مجرد متفرج يراقب كيف تُحوَّل مؤسسات الدولة إلى أدوات بقاء شخصي. وبما أن السياسة أصبحت مجرد مساومات، والشرعية مجرد ختم، فالبرلمان لم يعد مؤسسة تشريعية، بل أصبح ديكور يضفي بعض المظهر القانوني على فساد طويل الأمد.

في صميم هذه المسرحية يقف عقيلة صالح، الرجل الذي لم يدر المجلس كرئيس مؤسسة تشريعية، بل كحارس شخصي للاختطاف السياسي، حيث كل جلسة برلمانية تحت قيادته تتحول إلى محاكاة شكليّة لتشريع قرارات صيغت في الخفاء.

كل استحقاق وطني يتحول إلى مناورة، وكل نقاش عام يصبح عرضاً بروتوكولياً. وليس صدفة أن النواب أنفسهم صاروا شهوداً على تآكل دورهم فهم يأتون لتوقيع ما أُقر سابقاً خارج البرلمان من قبل قوى مسلحة وعائلات نافذة وأحياناً تحت ضغط إقليمي مباشر.

أما باقي أعضاء البرلمان فكل واحد منهم له دوره في المسرحية. بعضهم يعمل على التذرع بالقوانين الملتوية لتأجيل الانتخابات أو تعطيل الإصلاحات، وبعضهم الآخر يبيع تأييده لمن يدفع أكثر أو لمن يوفر له حماية عائلية أو عسكرية.

النواب الذين يفترض بهم حماية المال العام صاروا يتحركون كمهرجين سياسيين، والذين يفترض بهم مساءلة السلطة التنفيذية صاروا متكئين عليها، والذين يفترض بهم الدفاع عن السيادة صاروا يستدعون الرعاة الخارجيين كلما ضاق الهامش الداخلي، والدولة بهذا الشكل ليست أمام أزمة سياسية، بل أمام نموذج حكم فريد، يقوم على خطف المؤسسات وتحويل القانون إلى أداة بقاء شخصي

الاقتصاد الليبي نفسه جزء من المسرحية: النفط لم يعد أداة لتنمية الدولة بل وسيلة لشراء الولاءات وتثبيت التحالفات المسلحة، الميزانيات تتحول إلى صناديق سوداء تُستخدم لتوزيع المكافآت والعقوبات، والسياسة تتغذى على هذا الاقتصاد الريعي في دائرة مغلقة.

الفوضى تبرر السيطرة، والسيطرة تحتاج الفوضى لاستمرارها. لذلك الفشل والشلل ليس عرضياً بل خيار استراتيجي من النخب التي لا تريد دولة قوية لأنها تعرف أن الدولة القوية تعني رقابة ومساءلة وانتخابات وتداول للسلطة أي نهاية امتيازاتهم.

وإذا كان الشعب يتصور أن غياب التوافق هو سبب الأزمة فالحقيقة أن هناك توافقاً كاملًا بين هذه النخب على إبقاء الدولة ضعيفة، وتعطيل كل مسار إصلاحي حقيقي.

كل مشروع وطني يتوقف قبل أن يرى النور، وكل استحقاق ديمقراطي يتأجل، والبرلمان صار وسيطاً بين مراكز القوة، ومجرد أداة تمنح الغطاء القانوني للعسكر، وجهازاً إدارياً لإطالة عمر الوضع القائم.

في النهاية، ليبيا اليوم أمام مشهد سياسي ساخر: البرلمان أصبح ديكور السيادة، والسيادة نفسها مستأجرة تحت قبضة شخص واحد، وشبكة مصالح تحيط به النواب.

كلهم جزء من العرض ومن يعتقد أنه يمكن للديمقراطية أو إصلاح مؤسسي أن يتحقق في ظل هذا المشهد يعيش في وهم كبير. لأن المسرحية مستمرة والديكور مستمر والأدوار مكتوبة مسبقاً والشعب مجرد متفرج على مشهد لا نهاية له.

____________

مقالات مشابهة