صلاح الهوني

المؤسسات الليبية سواء في شرق ليبيا أو غربها لم تنجح حتى الآن في صياغة سياسات تشغيل واضحة أو برامج جادة لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة والاقتصاد ظل رهينة النفط.

الشباب الليبي يقفون في قلب معادلة معقدة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع، حيث تدفع البطالة المزمنة بعضهم إلى التفكير في الهجرة، سواء عبر قنوات شرعية محدودة أو عبر طرق غير نظامية محفوفة بالمخاطر.

ليبيا، التي يبلغ عدد سكانها اليوم نحو7.5  مليون نسمة وتمتلك ثروات نفطية هائلة وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، تبدو عاجزة عن توفير فرص عمل كافية لجيل كامل نشأ في ظل الفوضى بعد عام 2011.

هذه المفارقة بين الإمكانيات والواقع ليست مجرد قضية اجتماعية، بل هي مسألة وجود ستحدد مستقبل الدولة الليبية ومكانتها في محيطها الإقليمي والدولي.

منذ سقوط نظام القذافي، دخلت ليبيا في دوامة من الانقسامات السياسية والصراعات المسلحة التي أضعفت مؤسساتها وأرهقت اقتصادها.

الشباب الذين يشكلون أكثر من نصف السكان وجدوا أنفسهم أمام سوق عمل مشلول، حيث الوظائف الحكومية محدودة، والقطاع الخاص ضعيف، والاستثمارات الأجنبية شبه غائبة.

معدلات البطالة بين الشباب مرتفعة، حتى أن ليبيا تُصنَّف اليوم ضمن أعلى ثلاث دول عربية من حيث نسب البطالة، وهو مؤشر خطير يعكس عمق الأزمة. هذا الانسداد في الأفق دفع كثيرين إلى البحث عن فرص خارج البلاد، سواء عبر الدراسة والعمل في الخارج أو عبر الهجرة غير النظامية.

الهجرة بالنسبة للشباب الليبي ليست ظاهرة جماعية ضخمة كما هو الحال بالنسبة للمهاجرين الأفارقة الذين يستخدمون ليبيا كنقطة عبور، لكنها تظل خياراً مطروحاً أمام من فقدوا الثقة في إمكانية بناء مستقبل داخل البلاد.

تقديرات الاتحاد الأوروبي عام 2020 تشير إلى أن ما بين500  ألف إلى مليون ليبي يعيشون بالخارج، أي ما يقارب واحداً من كل سبعة مواطنين، وهو رقم كبير نسبياً بالنظر إلى حجم السكان الكلي.

بعض الليبيين عبروا البحر المتوسط خلال السنوات الماضية، لينضموا إلى موجات الهجرة الكبرى نحو أوروبا، وإن كانت أعدادهم محدودة مقارنة بغيرهم.

هذه الرحلات غالباً ما تكون محفوفة بالموت أو الاستغلال من قبل شبكات التهريب، لكنها تعكس حجم اليأس الذي يعيشه جزء من الشباب في الداخل.

النتيجة أن ليبيا تخسر بعضاً من رأس مالها البشري، حيث يغادر الكفاءات والطاقات التي كان يمكن أن تسهم في إعادة بناء الاقتصاد.

البطالة والهجرة ليستا ظاهرتين منفصلتين، بل هما وجهان لعملة واحدة. البطالة تولد الإحباط واليأس، والهجرة تصبح المخرج الوحيد لبعض الشباب. لكن التداعيات تتجاوز الأفراد لتطال المجتمع والدولة.

ارتفاع معدلات البطالة يضعف الاستقرار الداخلي، ويخلق بيئة خصبة للتطرف أو الانخراط في أنشطة غير قانونية. في الوقت نفسه، فقدان الكفاءات عبر الهجرة يضعف قدرة الدولة على إعادة البناء، ويزيد اعتمادها على الخارج.

هذه الحلقة المفرغة تجعل من معالجة البطالة والهجرة أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.

المؤسسات الليبية، سواء في الشرق أو الغرب، لم تنجح حتى الآن في صياغة سياسات تشغيل واضحة أو برامج جادة لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

الاقتصاد ظل رهينة النفط، الذي يوفر عائدات مالية لكنه لا يخلق وظائف كافية. هذا الاعتماد المفرط على النفط جعل الاقتصاد هشاً أمام تقلبات الأسعار العالمية، وأبقى الشباب خارج دائرة الإنتاج.

في المقابل، لم تُبذل جهود جدية لتنويع الاقتصاد أو الاستثمار في قطاعات مثل الزراعة والصناعة والخدمات، التي يمكن أن توفر فرص عمل واسعة.

التعليم والتدريب المهني يمثلان جانباً آخر من الأزمة. الجامعات الليبية تخرج آلاف الطلاب سنوياً، لكن معظمهم يفتقر إلى المهارات المطلوبة في سوق العمل. ضعف الربط بين التعليم والاقتصاد جعل الشهادات الجامعية أقل قيمة عملية، وزاد من معدلات البطالة بين الخريجين.

في المقابل، برامج التدريب المهني محدودة، ولا توجد سياسات واضحة لتأهيل الشباب للعمل في قطاعات جديدة. هذه الفجوة بين التعليم والعمل تعمق الأزمة، وتجعل الشباب أكثر عرضة للهجرة.

الهجرة غير النظامية من ليبيا لا تؤثر فقط على الداخل، بل تضع البلاد في قلب النقاش الأوروبي حول الهجرة. الاتحاد الأوروبي ينظر إلى ليبيا باعتبارها نقطة انطلاق رئيسية للمهاجرين نحو أوروبا، ويضغط على السلطات الليبية للحد من هذه التدفقات.

لكن معالجة الهجرة من الخارج دون معالجة جذورها في الداخل يظل حلاً مؤقتاً. ما لم تُخلق فرص عمل حقيقية للشباب، ستظل ليبيا مصدراً للهجرة، سواء عبر شبابها أو عبر المهاجرين العابرين لأراضيها، وسيظل البحر المتوسط شاهداً على مأساة إنسانية متكررة.

التداعيات الاجتماعية للهجرة والبطالة عميقة. الإحباط واليأس بين الشباب يضعف الانتماء الوطني، ويزيد من فقدان الثقة في المؤسسات. كثير من الشباب يرون أن الدولة لا تقدم لهم شيئاً، وأن مستقبلهم لا يمكن أن يُبنى داخل ليبيا.

هذا الشعور بالاغتراب يهدد النسيج الاجتماعي، ويجعل من إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع مهمة شاقة. في الوقت نفسه، الهجرة تفكك الأسر والمجتمعات، حيث يغادر الشباب تاركين وراءهم فراغاً اجتماعياً واقتصادياً.

لكن رغم قتامة الصورة، هناك فرص يمكن البناء عليها. ليبيا تمتلك موارد مالية من النفط يمكن أن تُستخدم في إطلاق برامج تشغيل واسعة، إذا ما أُديرت بشفافية وكفاءة. الاستثمار في التعليم والتدريب المهني يمكن أن يربط الشباب بسوق العمل، ويمنحهم مهارات جديدة.

دعم المشاريع الناشئة وريادة الأعمال يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة، بعيداً عن الوظائف الحكومية التقليدية. تنويع الاقتصاد عبر الاستثمار في الزراعة والصناعة والخدمات يمكن أن يخلق فرص عمل واسعة، ويقلل الاعتماد على النفط.

إشراك الشباب في صياغة السياسات العامة يمثل خطوة ضرورية لإعادة بناء الثقة.

الشباب يجب أن يكونوا جزءاً من الحل، لا مجرد متلقين للقرارات. منحهم مساحة للمشاركة السياسية والاقتصادية يمكن أن يعزز الانتماء، ويحولهم إلى قوة دافعة للتغيير. في الوقت نفسه، الشراكات الدولية يمكن أن تلعب دوراً في دعم برامج التشغيل والتنمية، لكن هذه الشراكات يجب أن تُدار بما يخدم المصلحة الوطنية، لا أن تتحول إلى أدوات نفوذ خارجي.

معالجة البطالة ليست قضية اقتصادية فقط، بل هي قضية وجودية لمستقبل ليبيا. إذا استمرت البطالة، ستظل البلاد عالقة في حلقة مفرغة من الأزمات. وإذا نجحت في معالجة هذه المعضلة، يمكن أن تتحول إلى دولة مستقرة وقادرة على استثمار مواردها في التنمية.

النجاح يتطلب رؤية وطنية شاملة، تضع الشباب في قلب مشروع إعادة البناء، وتتعامل مع البطالة والهجرة باعتبارهما أولويتين قصوى.

ليبيا اليوم أمام خيار تاريخي. إما أن تستمر في فقدان شبابها عبر البطالة والهجرة، فتخسر مستقبلها، أو أن تستثمر فيهم باعتبارهم رأس مالها الحقيقي. النفط والغاز يمكن أن يوفرا التمويل، لكن الشباب وحدهم قادرون على تحويل هذا التمويل إلى تنمية مستدامة.

العالم يراقب، والأسواق تنتظر، لكن القرار في النهاية بيد الليبيين أنفسهم. إذا اختارت ليبيا أن تضع شبابها في قلب مشروعها الوطني، فإنها ستتمكن من كسر الحلقة المفرغة، وستفتح صفحة جديدة في تاريخها. وإذا لم تفعل، فإنها ستظل رهينة أزماتها، وستفقد فرصة قد لا تتكرر.

___________

مقالات مشابهة