عبدالله الكبير

المقاربة الأمريكية للملف الليبي تجاوزت الانسداد السياسي ومضت إلى الجانب  الاقتصادي/ الأمني بتوقيع عقود استثمارات ضخمة في قطاع النفط، تعود من خلالها الشركات الأمريكية للعمل في ليبيا، مع حصة لا بأس بها من العقود لشركات النفط التركية والمصرية.

 فلابد أن تراعي أمريكا مصلحة حليفين مهمين لهما نفوذ وتأثير في الأزمة الليبية، لا يمكن من دون تعاونهما تحقيق مستوى مناسب من الأمن يمكن الشركات من العمل في بيئة مضطربة.

 عراب الصفقة مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي أعلن في مؤتمر الطاقة أن الاستقرار هو ما سيجلب الاستثمار الأمريكي، لذلك ستجرى مناورات أمريكية في سرت بمشاركة قوات مشتركة من الشرق والغرب، كخطوة رمزية تهدف بشكل أساسي إلى تخفيض التوترات بين الطرفين الحاكمين في ليبيا، ولن تصل إلى حد توحيد القوات بشكل كامل تحت عنوان بات يتكرر كثيرا وهو توحيد المؤسسة العسكرية.

فهذه الخطوة يستحيل أن تتحقق حاليا، لأن حفتر لن يقبل بالتنحي، ولن يقبل بإقصاء أبنائه من القيادة، مثلما لن يقبل ضباط الغرب الليبي الاعتراف بهم وهم منتحلون للرتب والصفات ولا علاقة لهم بالجيش على الإطلاق

  مشاركة قوات من الطرفين تعني ضمنا استعداد أمريكا للتعامل معهما واستيعاب التناقضات القائمة بينهما، ودفعهما للعمل معا لتمهيد الأرضية الأمنية المطابقة للمواصفات للشركات الأمريكية حتى تباشر العمل في ليبيا.

قد يرى البعض أن الصفقة تهدف إلى تجميد الواقع السياسي الحالي، فلا تجرى الانتخابات ومن ثم لا يقع التغيير. وهذا صحيح لا ريب، فالصفقة يمكن أن تضيف بضع سنوات أخرى لعمر حكومة الدبيبة في طرابلس، وكذلك سلطة حفتر في برقة، فلم يأت المبعوث الأمريكي على ذكر الانتخابات أو التحول السياسي بشكل عام، لأن ما يهم حكومة المليارديرات الحاكمة في أمريكا حاليا، هو تعظيم المكاسب الاقتصادية لعائلة الرئيس ترمب والمحيطين بها، وليس نشر الديمقراطية ومساعدة الدول على الخروج من مخاض التحول والمراحل الانتقالية، إلى بناء المؤسسات والمضي في تأسيس حكم ديمقراطي.

ولعل الإدارة الحالية لأمريكا هي الأولى التي لا تتحدث مع شركائها وحلفائها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، صحيح أن هذه المقاربة من الإدارات الأمريكية السابقة لم تحقق نتائج كبيرة، ولكنها كانت أداة ضغط خففت قليلا من وطأة المستبدين في المنطقة العربية.

عقيدة ترمب ومساعدوه هي المكاسب الاقتصادية، فعقود النفط أصدق أنباء من الانتخابات.

ثمة جانب إيجابي لا يمكن إغفاله. فالاستقرار الجالب للاستثمارات وعودة الشركات سيطور البنية التحتية للحقول، وسيعتمد على تقنيات حديثة في الاستخراج والنقل، وهذا سيرفع مستوى الإنتاج وستزيد العائدات لتغطية النفقات المتنامية، ولكنه يقوم على تجاهل أزمة الوضع السياسي الراهن، ويرسخ حكم الطبقة السائدة وقد يدفعها نحو المزيد من الإسراف والنهب لتكريس سلطتها.

وهذا لن يؤدي إلى تحقيق فائدة ملموسة من هذه العقود لتحسين معيشة الناس أو الاستثمار في مشاريع اقتصادية تساهم في تنويع مصادر الدخل.

 مع البلطجة التي تمارسها الإدارة الأمريكية الحالية، وخرقها لقواعد القانون الدولي إلى حد دعم الإبادة الجماعية في غزة، وخطف رئيس دولة منتخب في فنزويلا، ودعوة رئيسها علنا إلى ضم بلدان وجزر إلى بلاده، سيكون من العسير على الدول الصغيرة المواجهة والرفض، مع إدارة عطشى للنفط، ومساعدون يحملون ملفات العقود ليحصلوا على نسبة من هذه العقود لتنمية ثرواتهم الخاصة.

ومن ثم فالسبيل الوحيد لترويض الوحش هو عدم الصدام معه والتفاوض للحصول على أفضل مكاسب ممكنة من هذه العقود، ثم تأتي بعد ذلك الخطوة الأخرى وهي تحريك الشعب ليجبر السلطات الحالية على العمل الجاد لتحجيم الفساد، بالمزيد من الشفافية وملاحقة الفاسدين وتحويل فوائد العقود إلى المساهمة في تخفيف معاناة الناس بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وهذا أضعف الإيمان إذا تعذر العمل من أجل دفع الجميع نحو التغيير عبر الانتخابات.

______________

مقالات مشابهة