عبدالله نجّار

بينما تحطّ أندية أوروبية رحالها في بنغازي لخوض مباريات ودّية، يوظّف خليفة حفتر الاستعراض والقوة الناعمة لإعادة صياغة صورته وحكمه.

بنغازي، المدينة التي اكتسبت سمعة سيئة عام 2012 بعد الهجوم على القنصلية الأميركية الذي أودى بحياة السفير كريستوفر ستيفنز، استضافت مؤخرًا ناديين كبيرين لكرة القدم من دول الاتحاد الأوروبي.

المدينة، التي يديرها المشير خليفة حفتر، المسيطر على معظم شرق ليبيا في مواجهة الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة والمتمركزة في طرابلس، كانت لفترة طويلة تفتقر إلى أي جاذبية بالنسبة للغربيين. إلا أن نظام حفتر سعى في الآونة الأخيرة إلى إضفاء الشرعية على حكمه عبر توظيف القوة الناعمة ومحاولات «تلميع» سجله من خلال الرياضة.

وجمعت الفعالية الكروية الكبرى بين بطل إسبانيا السابق أتلتيكو مدريد وبطل إيطاليا ووصيف دوري أبطال أوروبا إنتر ميلان في مباراة ودّية أُقيمت مساء 10 أكتوبر. أُقيمت المباراة في ملعب بنغازي الذي أُعيد بناؤه حديثًا، ومُوّلت من قبل صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي بقيادة نجل حفتر، بلقاسم.

وانتهت المباراة بتتويج أتلتيكو مدريد بطلًا لـ«كأس الإعمار» بعد فوزه بركلات الترجيح على إنتر. ومن المقرر، بحسب التقارير، أن تُقام هذه الفعالية سنويًا في بنغازي، بمشاركة ناديين كبيرين من الاتحاد الأوروبي يتنافسان فيما بينهما.

صحيفة لا غازيتا ديلو سبورت الإيطالية، وهي من أبرز الصحف الرياضية في البلاد، تناولت الحدث ووصفت التجربة بأنها «مكثفة وسريالية». ولم يتطرق التقرير إلى سجل نظام حفتر، بل ركّز على الاستعراض الباذخ، معتبرًا الحدث مؤشرًا على قدرة ليبيا، وبنغازي على وجه الخصوص، على الانفتاح على الغرب واستضافة فعاليات دولية.

في المقابل، أفادت الصحيفة الإسبانية موندو ديبورتيفو بأن نادي برشلونة العريق كان يخطط للمشاركة، لكنه انسحب في اللحظات الأخيرة بسبب مخاوف أمنية، مع إعادة رسوم المشاركة البالغة خمسة ملايين يورو، ليحل أتلتيكو مدريد بدلًا منه. وقد تفسّر هذه المخاوف الأمنية سبب وصول إنتر ميلان وأتلتيكو مدريد يوم المباراة نفسه ومغادرتهما مباشرة بعدها، دون الإقامة في فندق أو القيام بجولة في المدينة.

تُجسّد المباراة وما رافقها من استعراض الأدواتَ التي لجأت إليها عائلة حفتر مؤخرًا في إطار القوة الناعمة. فهي تبرز قدرة المشير على تكييف حكمه مع تحديات جديدة، مع تحويل الانتباه عن سجلّ ضعيف في مجال حقوق الإنسان، يجري «تلميعه رياضيًا» عبر ضخامة هذه الفعاليات.

ولا تزال ذكرى حملة حفتر العسكرية الفاشلة عام 2019 ضد حكومة طرابلس، وهي حملة مدعومة روسيًا وشهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، حاضرة بقوة. كما لا يزال أثر الألغام التي خلّفها مرتزقة مجموعة فاغنر المتحالفة مع حفتر قائمًا؛ إذ زرعوها أثناء انسحابهم من مناطق كانوا يسيطرون عليها، في ما يُعدّ جريمة حرب محتملة أودت بحياة مدنيين وأصابت آخرين، بينهم ما لا يقل عن ثلاثة خبراء نزع ألغام.

ويُحظر على عناصر «الجيش الوطني الليبي» التابع لحفتر، سواء شاركوا في حملة 2019 أم لا، دخول طرابلس. وقد عبّر كثيرون ممن التقيتهم في بنغازي عن استيائهم لعدم قدرتهم على زيارة عاصمة بلدهم. ومع حملة حفتر لتصوير بنغازي كوجهة نابضة وجذابة، تعمّقت الانقسامات أكثر.

وليس «تلميع الصورة عبر الرياضة» جديدًا على ليبيا. فقد استضاف معمر القذافي، الذي حكم البلاد لأكثر من 40 عامًا، ناديي بارما ويوفنتوس الإيطاليين لخوض كأس السوبر الإيطالي عام 2002. كما واجهت دول أخرى في المنطقة، ولا سيما السعودية وقطر، اتهامات مماثلة باستغلال الرياضة عبر استضافة أحداث كبرى مثل كأس العالم.

وقال عقيلة الأبّار، رئيس مكتب التعاون الدولي في ملتقى الحوار السياسي الليبي—وهو هيئة تضم ممثلين عن الحكومتين وتهدف إلى تمهيد الطريق لعملية سلام—إن «الحدث لا يمثّل مجرد [كرة قدم]، بل يُجسّد روح ليبيا المتجددة المنفتحة على العالم، وتوحيد الجماهير عبر الرياضة».

وتسارعت وتيرة توظيف حفتر للرياضة كأداة نفوذ مع الزيارة الأولى لمايك تايسون إلى بنغازي في مارس 2024. ففي ليبيا، تُعد كرة القدم الرياضة الأبرز، لا سيما بعد حظر الملاكمة في عهد القذافي. وسعى حفتر إلى إحياء الملاكمة، بالتوازي مع إتاحة وصول بنغازي إلى كرة القدم الأوروبية رفيعة المستوى، لإعادة تسويق صورته لدى الغرب وتوفير الترفيه لأنصاره. وفي بيئة تندر فيها أشكال الترفيه خارج الرياضة، يبدو الاستثمار في كرة القدم أو الملاكمة مكسبًا للطرفين.

وخلال زيارة تايسون، استضافت بنغازي ثلاث نزالات على ألقاب أفريقيا تحت إشراف الرابطة العالمية للملاكمة، بحضور أكثر من 4 آلاف مشجع. ولاحقًا، ظهر تايسون إلى جانب حفتر خلال تتويج الملاكم الليبي سعد فتحي سعد بلقب وزن خفيف الثقيل. ثم عاد تايسون للظهور في بنغازي مرة أخرى في أغسطس 2025، قبل شهرين من مباراة أتلتيكو مدريد وإنتر ميلان.

الاستراتيجية النهائية لحفتر هي البقاء في السلطة. وكأي حاكم سلطوي متكيّف، يُتقن فنّ صناعة سمعة مختلفة لبنغازي ولنظامه، بما يخلق حدًّا أدنى من الجاذبية الغربية، حتى مع الحفاظ على علاقته بروسيا. وقد ركّزت هذه العلاقة أساسًا على توفير الأسلحة والطائرات المسيّرة، إضافة إلى تدريب قوات «الجيش الوطني الليبي» على يد عناصر فاغنر.

ويقترن استخدام حفتر للرياضة لكسب ودّ الغرب وسكانه المحليين بعدد من مشاريع إعادة الإعمار التي يقودها بلقاسم. ومن بين هذه المشاريع إعادة بناء جامعة بنغازي، الذي استدعى زيارة القائم بالأعمال الأميركي جيريمي برنت في 11 ديسمبر.

أما نجله الآخر، صدام حفتر، فيشغل منصب رئيس أركان «الجيش الوطني الليبي». وقد استضاف، إلى جانب والده، قائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) الجنرال داغفين أندرسون في 2 ديسمبر، بهدف إدراج بعض القوات الليبية ضمن المناورة السنوية للقوات الخاصة الأميركية المعروفة باسم «فلينتلوك 2026». وستستضيف ليبيا جزءًا من هذه المناورة لأول مرة منذ إطلاقها عام 2005، بما يجمع القوات المسلحة الليبية وبعض عناصر «الجيش الوطني الليبي».

وإلى جانب ذلك، استضاف حفتر قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ووقّع الطرفان اتفاقًا ثنائيًا في 18 ديسمبر. وشوهدت الأعلام الليبية والباكستانية معلّقة في أنحاء مختلفة من بنغازي احتفاءً بالزيارة. كما أُلغيت أو أُجّلت رحلات جوية عند وصول منير، وأُغلق مطار بنينا طوال يوم 17 ديسمبر. ويجلب التعاون الجديد مع باكستان فاعلًا دوليًا مهمًا آخر إلى المشهد الليبي، ويمثّل مكسبًا إضافيًا لنظام حفتر.

مجتمعةً، تُعزّز هذه التحركات ومحاولات «تلميع» إرث العائلة رياضيًا ادّعاءات حفتر بشرعيته كحاكم للواجهة الشرقية من البلاد.

محليًا، يبدو أن حفتر يلقى قبولًا لدى شريحة من السكان. فإلى جانب اللوحات الإعلانية التي نُصبت حديثًا في بنغازي لإحياء الذكرى الحادية عشرة لثورة «الكرامة»، يبدو أن كثيرين راضون عن محاولاته لوضع بنغازي على الخريطة العالمية. وكشفت محادثاتي مع السكان عن قاسم مشترك: ذاكرة الخوف الجماعي خلال الثورة، والارتياح للأمن الذي تلا انتصار حفتر على تنظيم «الدولة الإسلامية».

واعتبر بعضهم الفعاليات الرياضية مؤشرًا على أن بنغازي أصبحت أكثر أمانًا من طرابلس، عاصمة الغرب الليبي المدعومة دوليًا. وأعرب كثيرون عن فخرهم بـ«بنغازي الجديدة»، مقارنة بعقد مضى شهد نشاطًا واسعًا للتنظيم.

وأبدى مصدر في شركة «ليغاسي للتسويق والعلاقات العامة»، وهي وكالة ليبية تولّت دعوات كبار الشخصيات لحضور المباراة، تردده في التعليق على مساهمته في جهود حفتر، وامتنع عن الحديث رسميًا.

غير أن أحد الحضور، وهو خريج كلية القانون في بنغازي، وصف الحدث بأنه «مبهج» و«ممتع»، مشيرًا إلى أن «بنغازي في السنوات الأخيرة كانت مثقلة بانتهاكات حقوق الإنسان»، وأنه «كان من المستحيل تخيّل بنغازي قبل عشر سنوات تستضيف هذه الأندية».

ووصف الخريج، حازم آدم، حفتر بأنه «وطني يسعى للتأثير الإيجابي على ليبيا على نطاق واسع»، مضيفًا أن «هناك قضايا سياسية ما زالت تعيق تقدّم حفتر نحو تحقيق أهدافه بإحداث تغيير إيجابي في البلاد».

ومن الصعب الجزم بما إذا كانت هذه الآراء نابعة من قناعة حقيقية أم من الخوف من المعارضة في ظل حكم حفتر. ومع ذلك، بدت ردود آدم وغيرِه داعمة، ما يوحي بأن شيئًا ما يعمل لصالح حفتر.

ولا تزال آثار «ثورة» حفتر ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»—وهي حملة حرب حضرية استمرت ثلاث سنوات لإقصاء التنظيم من بنغازي ومدن أخرى—واضحة في المباني المتضررة، بما يذكّر بمرحلة ظنّ كثيرون أنها ستُقصي المدينة عن استضافة هذه الأحداث والشخصيات البارزة.

ومن أحدث محاولات حفتر لجذب الانتباه إلى بنغازي استضافة مراسلة CNN إيزوبيل يونغ لإعداد تقرير عن مركز القفز بالمظلات الجديد في المدينة. وقبل ذلك بنحو أسبوعين، كانت الصحفية نفسها قد زارت جنوب ليبيا لتوثيق إساءة معاملة المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء على يد مهربي البشر. وقد أبرز التقريرَان تباينَ بنغازي تحت حكم حفتر مع واقع الجنوب الليبي.

في الغرب، لا يزال رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة على رأس الحكومة في طرابلس، لكنه مقيّد برغبة الأمم المتحدة في تمهيد مسار للانتخابات التي تأجّلت مرارًا منذ 2021.

ومع ذلك، يبقى منفتحًا على الدعم الغربي، كما ظهر في زيارة حديثة للمبعوث الأميركي الخاص إلى أفريقيا، مسعد بولس. كما وافق على المقترح الأخير لإشراك قواته في «فلينتلوك 2026»، مستضيفًا أندرسون في 1 ديسمبر لمناقشة التعاون العسكري.

ويتّبع الدبيبة أيضًا نهجًا تدريجيًا للانفتاح على الغرب، تجلّى في فعالية كبرى لإعادة افتتاح المتحف الوطني الليبي في 12 ديسمبر، بحضور شخصيات بارزة مثل الساخر المصريالأميركي باسم يوسف والممثلة الخاصة للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيته.

ورغم الدعم الغربي لحكومة طرابلس والجهود التدريجية لدمج الشرق، يبدو أن حفتر يكتسب نفوذًا أكبر. فنهجه أكثر ابتكارًا، واستخدامه للرياضة لكسب القلوب والعقول يعمل على الأرجح لصالحه.

وهو يقدّم حكمه بوصفه «استبدادًا متكيّفًا»، يحاكي مقاربات فاعلين إقليميين آخرين ويبتكر عند الحاجة. وقد لا يكون توظيف الرياضة للانفتاح على الغرب جديدًا في المنطقة، لكنه جديد على بنغازي.

إن صعود مكانة بنغازي تحت قيادة حفتر يُقدَّم كقصة «فداء» تتفوّق تدريجيًا على حكومة طرابلس المدعومة غربًا. وبصورة عامة، لا يبدو أن هذه العروض اللافتة للانتباه ستتوقف؛ بل إنها في بدايتها فقط.

فإلى جانب «كأس الإعمار» السنوي، لا يزال الاستثمار في مشاريع البنية التحتية قويًا، كما يستضيف أكبر معرض للبناء في شمال أفريقيا دورته الثالثة في بنغازي هذا أبريل المقبل. جهود حفتر تكتسب زخمًا، وسمعة المدينة تتحسّن ببطء.

***

عبد الله نجار ـ صحفي مستقل مقيم في ليبيا. حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة اللبنانية الأمريكية، وشهادة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة ولاية كارولينا الشمالية. عمل سابقًا في مجال الإعلام المرئي والمسموع في واشنطن، وقدم برنامج البودكاست الحائز على جوائز في الجناح الشرقي“.

____________

مقالات مشابهة