توفيق عياد الشقروني

بينما تنشغل منصات التواصل الاجتماعي بتداول بيان «فريق سيف القذافي» الذي ينعى رحيله، يبرز سؤال جوهري خلف تلك السطور المليئة بالعبارات الرنانة: هل هذا بيان نعي لشخصية سياسية، أم هو محاولة بائسة لغسل تاريخ ممتد من السيطرة المطلقة؟

لقد استند البيان إلى لغة إنشائية عاطفية تهدف إلى دغدغة المشاعر، لكنها عند وضعها تحت مجهر الواقع، تظهر كعملية «تجميل سياسي» لإرث مثقل بالاستبداد.

أولاً: صبغ «التبعية» بصبغة «السيادة»

يتحدث البيان عن «حماة السيادة» و«رفعة ليبيا» ، متجاهلاً أن سيف القذافي لم يكن يوماً خارج دائرة «أدوات السيطرة» التي أحكمت قبضتها على الليبيين لمدة 40 عاماً. إن «السيادة» في قاموس النظام الذي مثله سيف كانت تعني «سيادة العائلة» لا سيادة القانون، وكانت تعني بقاء ليبيا «مزرعة خاصة» تدار بمزاجية الفرد، لا بمؤسسات الدولة المستقلة.

ثانياً: «ليبيا الغد».. مشروع توريث أم إصلاح؟

وصف البيان سيف بصاحب «المشروع الوطني الإصلاحي». والحقيقة التاريخية تقول إن مشروع «ليبيا الغد» لم يكن سوى مناورة سياسية لامتصاص الغضب الداخلي وتلميع صورة النظام خارجياً لضمان «خلافة سلسة» للسلطة.

الإصلاح الحقيقي يبدأ بفك ارتهان الوطن للفرد، وهو ما لم يفعله سيف الذي ظل يرى في ليبيا إرثاً لا وطناً.

ثالثاً: تناقض خطاب «عدم الإقصاء».

من المثير للسخرية في البيان حديثه عن «ليبيا التي تتسع للجميع دون إقصاء». فأين كان هذا الاتساع عندما كان سيف يهدد الليبيين في خطابه الشهير العام 2011 بـ «الزحف» و«تطهير البلاد»؟ إن لغة التهديد بحرق الأخضر واليابس وتذكير الشعب بـ «أنهار الدماء» هي التعريف الحقيقي للإقصاء والترهيب الذي مارسه ضد كل من طالب بالتغيير.

رابعاً: الفارس والمجاهد.. استعارة في غير محلها.

استخدام أوصاف مثل «الفارس» و«المجاهد» هو تزييف لغوي للواقع. فالشهادة الحقيقية والجهاد الوطني يُبذلان في سبيل تحرير إرادة الشعب، لا في سبيل الحفاظ على كرسي الحكم.

سيف القذافي عاش كجزء من منظومة القمع، وموته في ظل صراعات القوى المسلحة لا يمحو تاريخاً طويلاً من كونه «الوجه الناعم» لسلطة والده التي قيدت حرية الليبيين لعقود.

الخاتمة: التاريخ لا يُكتب بالبيانات العاطفية.

إن محاولة تصوير سيف كضحية أو كمنقذ ضائع للوطن هي إهانة لذاكرة الشعب الليبي. فالرجال يرحلون فعلاً، لكن الآثار التي تركوها في بنية الدولة من تغييب للمؤسسات وتفكيك للنسيج الاجتماعيتظل شاهدة على أن سيف لم يكن إلا أداة مطورة في منظومة السيطرة التي عانى منها الليبيون الأمرين.

إن الرد الحقيقي على هذا البيان ليس بمناقشة تفاصيل عملية الاغتيال، بل بالتمسك بالحقيقة:

أن ليبيا لن تتحرر حقاً إلا عندما تتجاوز عصر «الأفراد المقدسين» إلى عصر «المؤسسات المقدسة».

_____________

مقالات مشابهة