عبدالله الكبير

من الطبيعي أن يثير مقتل سيف القذافي كل هذا الجدل بين الليبيين، نظرا لحجم الأدوار السياسية التي لعبها منذ ظهوره الأول على خشبة المسرح السياسي زمن حكم والده عام 2005، وإطلاقه لمشروع ليبيا الغد وإشرافه على تسوية ملفات والده العالقة مع الدول الغربية، واصطفافه إلى جانب والده لمواجهة ثورة فبراير.
فالقبض عليه أثناء محاولة الهروب إلى النيجر، ثم محاكمته غيابيا لعدم مثوله أمام هيئة المحكمة، ثم محاولاته للعودة إلى المشهد السياسي وتقديم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية المجهضة عام 2021، مستفيدا من قانون العفو العام الذي أصدره برلمان عقيلة صالح، وصولا إلى اغتياله في 3 فبراير 2026.
في كل هذه المحطات كان سيف القذافي شخصية محورية يترقب ويتابع الجميع تحركاتها ومواقفها وتصريحاتها، لأنها ستكون مؤثرة على القرار السياسي ومن ثم على الاتجاه الذي سيؤثر في حياة الملايين.
ئ مشروع ليبيا الغد كان واعدا بالإصلاح والتنمية، وشكّل بداية انفتاح نظام القذافي على الغرب، ومنح أملا للكثيرين بعودة البلاد إلى نهج سياسي واقعي يقطع مع السياسات المتطرفة التي تبناها والده، ولكن شكوك والده مع ممانعة الحرس القديم للنظام أجهض المشروع، بينما تابعه الكثير من الوطنيين بتحفظ وشكوك في استمراره، لأنه سيقوض الأسس العنيفة التي شيدها القذافي لحماية سلطته.
اغتيال سيف في هذا التوقيت يشي بتهيئة البلاد لمرحلة جديدة تستلزم إزالة العراقيل، لأن سيف القذافي كان مصدر توتر حتى مع عدم انخراطه في مشروع سياسي واضح المعالم، وعزوفه عن الظهور الإعلامي والتعليق على التطورات السياسية، بحكم انتشار أنصاره في الجنوب ونواح أخرى من البلاد، وتزايد الحنين إلى زمن والده بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
ولابد من التذكير هنا بآلية الذاكرة الانتقائية للإنسان في كل العصور، حيث تتراجع الذكريات المؤلمة وتختفي تماما أحيانا، بينما تصعد الذكريات الطيبة واللحظات الجميلة وتزيدها قسوة الحاضر توهجا.
لذلك يتذكر الناس الأوضاع الأمنية الأكثر استقرارا من الحاضر، ورخص أسعار المواد الغذائية الأساسية المدعومة بنظام الجمعيات التعاونية الإستهلاكية.
ولا يتذكرون:
-
رعب المشانق المنقولة على الهواء مباشرة ساعة الإفطار في شهر رمضان.
-
وتحويل المدارس إلى ثكنات عسكرية.
-
وإشاعة ثقافة العنف في المجتمع.
-
وحرب تشاد.
-
ومجزرة سجن بوسليم.
-
وهدر ثروة البلاد على مغامرات خارجية ثم دفع التعويضات عنها لاحقا.
-
وتحويل المجتمع إلى قطيع من الموظفين العاطلين الفقراء، بفعل السياسات الاقتصادية الكارثية.
وغيرها من القرارات الخاطئة وغير المسؤولة.
لكل ما سبق كان من الطبيعي أن يثير اغتيال سيف القذافي كل هذا الجدل، ولكن أكثر ما لفت انتباهي هو تبرير حادثة مقتله باعتبارها كانت سلوكا مألوفا لنظام والده، الذي:
-
غدر برفاقه.
-
و أرسل فرق الموت لتعقب معارضيه في الخارج وتصفيتهم.
-
والشماتة والتشفي في نشرات أخبار تلفزيونه في موت الملك الراحل إدريس السنوسي، والرئيس المصري الراحل أنور السادات، ورئيس وزراء ليبيا الأسبق عبد الحميد البكوش، التي اتضح فيما بعد أنها خدعة مضحكة أوقعته فيها المخابرات المصرية،
-
بالإضافة إلى جرائم اعتقالات وقتل عديدة نفذها النظام السابق في الداخل لمجرد الاشتباه.
-
والاحتفاظ ببعض جثث المعارضين في ثلاجات خاصة لسنوات عديدة، ولم تُكتَشف إلا بعد سقوط نظامه في مقرات سرية خاصة.
ومن ثم فقد شرب سيف من نفس الكأس التي سقاها والده للكثيرين.
لكن القذافي وإجرامه ليس قدوة على الإطلاق، وإذا كان من أبرز أهداف ثورة فبراير إنهاء الظلم، فإن القطيعة مع النظام السابق وممارسته تستلزم إنكار الغدر والاغتيال، إنكار الإرهاب وتصفية الخصوم السياسيين، الانحياز التام للعدالة بتقديم كل المتهمين والمطلوبين للقضاء ليواجهوا العدالة.
ورغم أن سيف القذافي في النهاية احترق بالنار التي أوقدها والده في ليبيا:
-
بنشر ثقافة العنف.
-
والتضييق على الناس في معيشتهم.
-
ومصادرة الحريات.
-
وأخيرا ذروة العنف التي صعدها وهو يحاول التصدي لثورة فبراير.
إلا أن الموقف السليم لكل من ساهم وأيد وناصر ثورة فبراير، كثورة ضد الظلم والجور ومع الحرية والعدالة والكرامة، والقطيعة التامة والنهائية مع كل سياسات وممارسات نظام القذافي، هو:
ــ استنكار وإدانة القتل خارج القانون،
ــ والتأكيد على أن سيف القذافي كان ينبغي أن يمثل أمام المحكمة لتفصل في أمره.
يقول الفيلسوف نيتشه ” وأنت تصارع الوحوش حذار أن تصبح واحدا منهم ” .
وهذا يعني مجاهدة النفس وعدم الميل مع الهوى بالاستسلام لمشاعر الانتقام والشماتة في الموت، بالعودة إلى القيم الإسلامية الأصيلة وما تعارف عليه الليبيون قبل هبوط هذه الحقبة المظلمة من تاريخهم، والعمل على تكريسها في المجتمع.
فلا معنى للثورة إذا لم تدرك أن جوهر معركتها مع النظام الذي ثارت عليه هو استبدال قيم الحق والعدالة والجمال بقيم الباطل والظلم والقبح، وإزالة كل مظاهر التخريب التي كرسها النظام السابق.
____________
