
التحديات الاقتصادية والسياسية تفوق قدرة الحكومة على الإصلاح
أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية المنتهية ولايتها، عبدالحميد الدبيبة، عزمه الإعلان عن تعديل وزاري خلال اجتماع مجلس الوزراء القادم، في خطوة وصفها مراقبون بأنها رمزية أكثر منها إصلاحية، وسط تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية متفاقمة لا تبدو للوهلة الأولى قابلة للحل بمجرد تبديل الأسماء أو إعادة توزيع الحقائب الوزارية.
ويأتي هذا الإعلان في ظل تدهور اقتصادي متسارع، حيث تجاوزت المشاكل المالية قدرة الحكومة على التدخل الفعال، رغم الالتزامات المعلنة ضمن “اتفاق البرنامج التنموي الموحد“، الذي يهدف إلى توحيد الإيرادات النفطية وغير النفطية في حساب الخزانة العامة، وضبط الإنفاق العمومي وفق إمكانات الدولة.
إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن التحديات الاقتصادية الحالية، بما في ذلك التضخم المرتفع وسوق الصرف المضطرب، تعكس خللاً أعمق في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لن يمكن للتعديل الوزاري أن يعالجه بشكل جذري.
وانتقد الدبيبة إنفاق نحو 70 مليار دينار على باب التنمية خلال عام 2025، بينما الإمكانات الحقيقية لا تتجاوز 10 مليارات دينار، ما يشير إلى فجوة هائلة بين الموارد المتاحة والمطالب التنموية.
ورغم تأكيده على عدم تسجيل أي دين عام أو اقتراض داخلي أو خارجي، فإن الواقع على الأرض يشير إلى ضعف القدرة على التحكم في الأسواق والتوازن المالي، وهو ما يجعل أي تغيير وزاري مجرد إجراء شكلي، لا يعالج المشاكل الهيكلية المتجذرة في الاقتصاد الليبي.
وسياسيًا، لا يمكن للتعديل الوزاري المرتقب أن يعالج الأزمة الأعمق المتمثلة في الانقسام المستمر بين حكومتين: حكومة الوحدة المعترف بها دوليًا برئاسة الدبيبة في غرب البلاد، والحكومة المعينة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في الشرق والجنوب.
ويعقد هذا الانقسام جهود التوحيد الوطني ويجعل قدرة الحكومة على تنفيذ أي سياسات فعالة محدودة للغاية، خصوصًا في ظل استمرار التدخلات الإقليمية والضغوط الأممية التي لم تحقق أي اختراق جوهري منذ سنوات.
وعلى الصعيد الإداري، يظل التعديل الوزاري محدود الأثر، إذ أن المشكلة ليست في الوجوه الوزارية، بل في غياب البرامج الواضحة والرؤية الاستراتيجية الطويلة المدى. تغيير الأسماء لن يحل مشكلة ضعف الأداء المؤسسي، أو عدم قدرة الوزارات على تقديم الخدمات الأساسية، أو تلاعب بعض الأطراف السياسية بالموازنة العامة، أو الفساد المستشري في القطاعات الحيوية.
كما أن التعديل المرتقب لا يعالج الأزمة المالية العميقة، حيث يظل التمويل الموزع على مشاريع التنمية دون خطة واضحة، ما يولد تضخمًا وهميًا ويزيد الضغوط على سوق الصرف.
ووفق الخبراء، أي تعديل وزاري سيظل عاجزًا أمام التحدي الأكبر، وهو إعادة هيكلة الاقتصاد الليبي بما يضمن قدرته على مواجهة التضخم، واستقرار الدينار، وتحقيق التنمية المستدامة في ظل موارد محدودة وإمكانات ضئيلة مقارنة بحجم الطموحات.
وأمنياً، لا يقدم التعديل المرتقب حلولاً حقيقية للتحديات الأمنية في غرب البلاد، والتي ترتبط بالصراع بين الحكومتين المتنافستين، ووجود ميليشيات مسلحة، وضعف الرقابة على الحدود والموانئ النفطية.
أي تغيير وزاري في هذا السياق يبدو شكلياً، إذ أن السيطرة الفعلية على الأرض مرتبطة بتحالفات سياسية وميدانية لا يمكن لأي وزير جديد أن يغيرها بسهولة.
ويعكس الجانب الاجتماعي والاقتصادي في ليبيا أيضا أن التحديات أكبر من مجرد تعديل وزاري. فقد شهد المواطنون تدهوراً ملموساً في الخدمات العامة، من كهرباء ومياه وصحة، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح التركيز على تبديل الحقائب الوزارية دون مراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، خطوة غير كافية، ولا تقدم حلولاً عملية للأزمة اليومية التي يعيشها الليبيون.
ويبدو أن التعديل الوزاري المرتقب، رغم كونه خطوة سياسية متوقعة، لن يكون أكثر من إجراء شكلي. فالواقع الاقتصادي والسياسي والأمني لا يسمح لأي حكومة، حتى لو ضمت كفاءات جديدة، بتحقيق استقرار ملموس في المدى القصير، دون إعادة النظر جذريًا في السياسات الاقتصادية، وإصلاح المؤسسات، ومعالجة الانقسامات السياسية العميقة.
ويرى محللون أن أي تفاؤل بإمكان التعديل أن يعكس تحسنًا ملموسًا هو تفاؤل مبالغ فيه، فالمشكلة الحقيقية تكمن في السياسات والخيارات، لا في الأسماء التي تشغل الوزارات.
ويعكس التعديل المرتقب في طرابلس إدراك الحكومة للحاجة إلى تجديد واجهة السلطة، لكنه في الوقت نفسه يبرز محدودية قدرتها على معالجة التدهور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
وتتطلب الحلول الحقيقية سياسات استراتيجية متكاملة، وقرارات جريئة تعالج جذور الأزمة، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل الوضع الحالي، حيث تظل ليبيا أسيرة الانقسامات الداخلية والفشل في إدارة الاقتصاد والموارد الوطنية، ما يجعل أي تعديل وزاري مجرد رمزية سياسية بلا تأثير جوهري على حياة المواطنين ومستقبل الدولة.
_____________