علي العسبلي
السبب الحقيقي وراء خوف السلطات الليبية من المجتمع المدني
الخوف من المجتمع المدني في ليبيا ليس مسألة نظرية. إنه واقع سياسي. تدرك سلطات الأمر الواقع في البلاد تماماً ما يمثله المجتمع المدني الحقيقي.
فعلى الرغم من سنوات التشويه وحملات التضليل، تعلم هذه السلطات أنه ليس كياناً تجميلياً أو رمزياً. بل هو مقياس لصحة الدولة ومؤشر على ما إذا كانت السلطة قادرة على تحمل المساءلة والمراقبة.
لكن الكثيرين لا يفهمون بوضوح ما هو المجتمع المدني حقاً. فقد أصبح المصطلح مشوشاً، ومُحرَّفاً، وأحياناً يتم شيطنته عمداً. غالباً ما يتم اختزاله في المنظمات غير الحكومية، أو المشاريع الممولة من الجهات المانحة، أو الوجوه المألوفة على شاشات التلفزيون.
في الواقع، المجتمع المدني أبسط بكثير وأكثر قوة: هو العمل الجماعي المنظم بشكل مستقل عن الدولة وأجهزتها القسرية. هو تجمع الناس للدفاع عن حقوقهم ومصالحهم خارج منطق السلطة الرسمية.
في أي بلد يعمل بشكل سليم، لا يُقاس التقدم بعدد المنظمات المسجلة، بل بقدرتها على العمل بحرية.
المجتمع المدني الحقيقي هو الذي يراقب الانتخابات، ويوثق الانتهاكات، ويشكك في القرارات، ويتحدى الفساد. هو الذي يمتلك القدرة على قول “لا” دون الخوف من السجن أو المنفى.
لا يوجد المجتمع المدني لتملق السلطة؛ بل يوجد لمحاسبتها. وهذا وحده يجعله مصدر إزعاج لمن يحكمون عبر السيطرة لا عبر القبول الشعبي.
في جوهره، يؤدي المجتمع المدني دور الرقيب.
- فعندما يراقب الانتخابات، يحد من التزوير.
- وعندما يوثق الانتهاكات، يكسر احتكار الرواية الرسمية.
- وعندما ينتقد، يكشف الفشل النظامي.
- وعندما يدعو للإصلاح، يقوض الشرعية الأخلاقية للسلطات التي تحكم عبر التخويف. وفي اللحظات الحاسمة،
- وعندما يحشد الرأي العام، يمكنه إعادة تشكيل الحقائق السياسية.
لا يمكن لأي سلطة تخشى المساءلة أن تتعايش بارتياح مع مثل هذه القوة.
يُظهر المشهد الليبي بعد عام 2011 هذا التوتر بوضوح. فقبل الثورة، لم يكن هناك مجتمع مدني مستقل حقيقي. وُجدت مؤسسات قليلة، لكنها كانت تعمل ضمن إطار النظام.
بعد 2011، حدث انفجار عددي مفاجئ. ظهرت آلاف المنظمات، وكثير منها بلا خبرة أو هيكل تنظيمي أو حماية. كان نمواً في الكم، وليس بالضرورة في الكيف. ما كان مطلوباً هو الوقت وبيئة قانونية داعمة. ولكن بدلاً من ذلك، تقلص الفضاء المدني بشكل مطرد.
لم تنظر السلطات المتعاقبة إلى المجتمع المدني كشريك في بناء دولة مستقرة. بل رأت فيه شيئاً يجب إدارته أو احتواؤه أو تحييده.
تم التسامح مع الأنشطة المعتبرة “آمنة” – كمشاريع التنمية، والحملات البيئية، والمبادرات التوعوية – لأنها لم تتحدى النظام القائم. لكن العمل المرتبط بحقوق الإنسان، أو المساءلة، أو مكافحة الفساد، أو مراقبة الأجهزة الأمنية، سرعان ما أصبح منطقة خطر. ومن هناك، كان المصير إما الاستيعاب أو القمع.
في الوقت نفسه، تمت زراعة نسخة موازية من المجتمع المدني. تم تمويل منظمات غير حكومية أنشأتها الحكومة (GONGOs) والترويج لها لإضفاء صورة المشاركة المدنية مع تعزيز الرواية الرسمية. خدمت هذه المنظمات في تشويه مصداقية الأصوات المستقلة وتقديم نفسها كبديل “وطني” لما يُزعم أنها جهات أجنبية أو مزعزعة للاستقرار.
أولئك الذين أصرّوا على العمل في مجالات حساسة واجهوا خياراً صارماً: الصمت، أو المنفى، أو القمع.
ليس من قبيل المصادفة أن العديد من المنظمات الليبية المستقلة حقاً تعمل الآن من الخارج.
وليس مصادفة أيضاً أن الناشطين الذين نجوا من السجن أو العنف يعيشون غالباً في منفى قسري أو يلتزمون الصمت العلني.
داخل ليبيا، ضاق الفضاء المدني الهادف بشكل كبير. المراقبة، الترهيب، حملات التشويه، والاعتقالات المستهدفة أصبحت أموراً شائعة.
يتم صياغة القوانين أو تطبيقها بشكل انتقائي لتقييد النشاط المستقل. يتم تشكيل الرأي العام عبر المنابر الدينية، والقنوات التلفزيونية، ووسائل التواصل الاجتماعي لتصوير المجتمع المدني ككيان فاسد أخلاقياً، أو ممول من الخارج، أو حتى معادٍ للهوية الوطنية.
حالة ذعر أخلاقي مصطنعة حوّلت الرقابة إلى خيانة والمساءلة إلى مؤامرة.
هناك أيضاً حقيقة غير مريحة: لم ينجح الفاعلون في المجتمع المدني دائماً في شرح عملهم بوضوح. لم ننجح دائماً في ربط جهودنا بالهموم اليومية للمواطنين. تلك الفجوة سمحت للسلطات بإعادة تعريف المفهوم نيابة عنّنا – وضدنا.
في النهاية، الخوف من المجتمع المدني في ليبيا لا يتعلق بحماية التقاليد أو الحفاظ على السيادة. بل يتعلق بتجنب المساءلة. يتعلق بمنع التوثيق. يتعلق بضمان أن المسؤولين عن الانتهاكات لن يحاسبوا أبداً.
وجود مجتمع مدني قوي يعني فرض حدود على السلطة. يعني الشفافية، ويعني وجود عواقب، ويعني وجود رقابة عامة. بالنسبة لسلطات مبنية على السيطرة والإفلات من العقاب، هذا ليس مجرد إزعاج – إنه تهديد وجودي.
***
علي العسبلي – ناشط حقوقي ليبي وسجين رأي سابق. يعيش في المنفى ويشغل منصب مدير “ليبيا كرايمس ووتش” (رصد جرائم ليبيا)، وهي منظمة توثق انتهاكات حقوق الإنسان وتدعو إلى المساءلة في ليبيا.
___________
