
يتحول الشعور بالمسؤولية في كثير من الأحيان إلى فخ نفسي واجتماعي يتسبب في أضرار بالفاعل والمفعول.
فكما أن اللامبالاة إزاء القضايا الجدية عبث، وإدارة الظهر لها ضياع لابد أن يُدفع ثمنها، فإن ما أربك شعبا أراد الخلاص من الطغيان هو عكس ذلك.
ظن كل منخرط في فعل التغيير أنه مسؤول عن التعاطي مع كل فكرة أو فعل، بالرفض أو الإيجاب، وأنه مسؤول عن متابعتها حتى خط النهاية، ونصّب نفسه رقيبا عتيدا، وصيّا حسيبا حتى على نوايا الآخرين، فكان من نتاج ذلك “الاحتراق النفسي“، وهو ما يعرّفه المتخصصون بأنه محاولة إصلاح كل شيء والسيطرة على كل المتغيرات.
هكذا سلوك استنزف طاقة الثائر العصبية والجسدية، وانتهى به عاجزا عن إدارة شؤونه الخاصة. بل شوهد يتعارك مع ظله الذي يتبعه ويحاكي حركاته وسكناته.
أصابه بالشلل عن التنفيذ، فتشتت تركيزه عن إنجاز حقيقي وإن كان محدود الأثر.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل صار معيقا للآخرين من حوله عن تحمل مسؤولياتهم وإنضاج أفكارهم، فصاروا سلبيين لا مبالين، واتكاليين.
من نتاج هذا السلوك غير السوي أيضا أن تضخمت الأنا عنده، حتى توهم أنه صمّام الأمان الذين لن يدور الكون بدون تدخله، وعندما اصطدم بالحقيقة تحوّل الأمر إلى إحباط واكتئاب، وأحيانا إدمان.
لقد تمكنت هذه الظاهرة في 2011م، وما بعده، عند أفراد شعب ثائر، أراد كل منهم أن يكون المقاتل والسياسي والإعلامي والناشط المدني، أراد أن يقوم بدور المخابرات التي تكشف المتآمرين، والحريص الذي سيقتص من القتلة، والعاقل الحكيم الذين يصلح بين الناس بالحسنى.
أراد أن يتابع ملف المخدرات، والهجرة غير الشرعية وتوطين الأجانب، ويقف مع مرضى الأورام، ويسهم في تزكية الوزراء أو إقصائهم، ويخرج في مظاهرات سلمية وسلاحه على كتفه، ليحاور مبعوثا أمميا ويشرح له رؤيته السياسية التي تشربها من حكايات حجا.
لم نصل أبدا إلى قاعدة “ركز على دائرة تأثيرك، واترك دائرة الاهتمام“، ولو فعلنا لبَنَينا مشروعا ببطء ومثابرة وتراكم.
ولكانت لنا فبراير ولنا ليبيا.
__________
المصدر: افتتاحية العدد الأسبوعي من صحيفة الناس رقم (181)، الصادر صباح الثلاثاء (06 رمضان 1447 هـ) الموافق (24 فبراير 2026م)