سالم ميار

يعد الانقسام السياسي أهم عقبة بنيوية
تُعد مشكلة استمرار التيار الكهربائي في ليبيا إحدى المشكلات المستمرة منذ عقود. والآن، بدأت الطاقة المتجددة تبرز كأداة حاسمة واستراتيجية لتحقيق أمن الطاقة.
لعقود من الزمان، كان النفط والغاز يدران ما يقرب من 95% من إيرادات الدولة الليبية ويوفران غالبية احتياجاتها من الكهرباء. هذا النموذج مول الدولة – لكنه ترك البلاد أيضًا عرضة لمخاطر كبيرة.
فنقص الكهرباء المستمر، والبنية التحتية المتقادمة، والانقسام السياسي منذ عام 2011، جعلت تكاليف الاعتماد المفرط على الهيدروكربونات أمرًا لا يمكن تجاهله.
والآن، بدأت الطاقة المتجددة تبرز كأداة حاسمة واستراتيجية لتحقيق أمن الطاقة، والمرونة الاقتصادية، وإعادة بناء المؤسسات.
تشير مجموعة متنامية من مذكرات التفاهم واتفاقيات التعاون والعقود في مراحلها المبكرة – والتي تم دفع العديد منها قدمًا خلال مؤتمر ليبيا للطاقة والقمة الاقتصادية في أواخر يناير/كانون الثاني – إلى أن هذا التحول يتجاوز مجرد الخطابات. ليست جميع الاتفاقيات قابلة للتمويل بالكامل بعد، لكنها تساعد في ترجمة النوايا السياسية إلى خطط مشاريع محددة وتجذب مطورين دوليين جادين.
إطار السياسات والتوجه الاستراتيجي
تحدد الاستراتيجية الوطنية للطاقات المتجددة وكفاءة الطاقة في ليبيا خارطة الطريق. يستهدف المشروع الوصول إلى حوالي 4 جيجاواط من قدرة الطاقة المتجددة بحلول عام 2035، بشكل أساسي من الطاقة الشمسية الكهروضوئية، مدعومة بطاقة الرياح والطاقة الشمسية المركزة والأنظمة الهجينة.
تشمل الأهداف المرحلية الوصول إلى 1.7 جيجاواط من الطاقة المتجددة بحلول عام 2026، على أن تصل القدرة الشمسية الكهروضوئية إلى حوالي 3.3 جيجاواط وتوليد طاقة الرياح إلى حوالي 600 ميجاواط بحلول عام 2035.
تتناول الاتفاقيات الأخيرة هذه التحديات بشكل مباشر
اتفاقية الطاقة الشمسية بقدرة 100 ميجاواط بين هيئة الطاقة المتجددة في ليبيا وشركة W16 Energy ومقرها نيويورك، والتي أُعلن عنها في مؤتمر ليبيا للطاقة والقمة الاقتصادية، تتجاوز مناقشات الجدوى نحو التطوير الملموس. لا تزال قرارات الاستثمار النهائية وهياكل التمويل معلقة، لكن المشروع يعكس ثقة خارجية متزايدة في التوجه التنظيمي الليبي.
هناك مذكرة تفاهم ذات أهمية استراتيجية تربط وزارة النفط والغاز بهيئة الطاقة المتجددة لدمج أنظمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في مرافق إنتاج وتجهيز النفط. من خلال تقليل استهلاك الوقود، وخفض الانبعاثات، وتحسين الموثوقية التشغيلية في مواقع الطاقة الحالية، تعمل هذه المبادرة على مواءمة إزالة الكربون مع البراغماتية الاقتصادية. كما أن الاستفادة من البنية التحتية القائمة يقلل من مخاطر التطوير ويضغط الجداول الزمنية للتنفيذ.
يعمل التعاون الدولي على توسيع النطاق. هناك اتفاقية إطارية مع صربيا تركز على التعاون في مجال الطاقة المتجددة والتبادل التقني، في حين تستهدف مبادرة تعاون بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والشركة الليبية للحديد والصلب إزالة الكربون وكفاءة الطاقة في الصناعات الثقيلة – مما يربط نشر الطاقة النظيفة بالتنويع الصناعي.
مشاريع استثمارية واسعة النطاق
يظل مشروع الطاقة الشمسية في السدادة بقدرة 500 ميجاواط لشركة توتال إنيرجيز أكثر مشاريع الطاقة المتجددة تطوراً على نطاق المرافق في البلاد، ومن المتوقع أن يدخل حيز التشغيل هذا العام. وباستثمارات رأسمالية تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، فإنه يشكل معياراً للمشاركة الأجنبية.
كما ركز اهتمام إضافي من شركة باور تشاينا، وإي دي إف رينيوابلز، وإيه جي للطاقة، وشركة ألفا ظبي القابضة على مشاريع طاقة شمسية تتراوح من 1.5 جيجاواط إلى 2 جيجاواط في مناطق متعددة. تظل معظم المقترحات في مرحلة ما قبل التعاقد، لكن حجمها التراكمي يشير إلى رغبة قوية في استغلال إمكانات ليبيا الشمسية، خاصة إذا تحسنت الوضوح التنظيمي وقدرة الشبكة.
أما طاقة الرياح، فرغم أنها أصغر حجماً، فهي تكتسب زخماً على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط. يتطلب مشروع الرياح النموذجي بقدرة 100 ميجاواط استثماراً رأسمالياً يبلغ حوالي 146 مليون دولار أمريكي ويقدم أنماط إنتاج تكمل الطاقة الشمسية الكهروضوئية، مما يقلل من تعرض الشبكة لتقطع المصدر الواحد.
الآثار المترتبة على الاستثمار والتحديات
يمثل الانقسام السياسي أهم عقبة بنيوية. فالانقسام بين المؤسسات في طرابلس والسلطات في الشرق يؤدي مباشرة إلى تعقيد عملية دمج الشبكات، وإنفاذ العقود، واتساق القوانين واللوائح التنظيمية.
قد لا تتمتع اتفاقية الطاقة المتجددة الموقعة مع سلطة واحدة بقوة قانونية ملزمة أو وصول تشغيلي كافٍ في الأراضي التي تحكمها سلطة أخرى. يواجه المستثمرون التحدي العملي المتمثل في تحديد أي من الأطراف المتقابلة لديها السلطة على مواقع المشاريع، واتصالات الشبكة، وتدفقات الإيرادات.
تم تصميم الإصلاحات الأخيرة – بما في ذلك الحوافز الضريبية، وأحكام الملكية الأجنبية، وأطر الشراكة بين القطاعين العام والخاص المتطورة – لتحويل الاتفاقيات الأولية إلى أصول قابلة للتمويل. لكن نجاحها سيعتمد بشكل أقل على الإصلاحات نفسها، وأكثر على استقرار المؤسسات المكلفة بإنفاذها.
إذا تطورت الظروف المواتية جنباً إلى جنب مع نشر الطاقة الشمسية، يمكن للطاقات المتجددة أن تقلل من استهلاك الوقود المحلي وتعزز أمن الطاقة. في بلد يعيد بناء بنيته التحتية ومؤسساته في نفس الوقت، تشكل الطاقة النظيفة استراتيجية لبناء الدولة.
***
سالم ميار ـ مستشار في الموارد الطبيعية الليبية والشؤون المالية والجيوسياسية.
__________
