علي العسبلي
الإنسان الليبي الذي يطارد راتبه المتأخّر شهراً وراء شهر، ويقف في طوابير الخبز والبنزين الطويلة كلّ يوم، ويتابع أخبار انهيار العملة وانهيار كلّ شيء تقريباً، صار يتابع الحرب على إيران بشغف كما يتابع نهائي مباراة كرة قدم.
الانقسام حاضر كالعادة، بين مدرّجات طهران ومدرّجات أميركا وإسرائيل، من مع إيران ومن يصرخ ضدّها. ولا أحد يسأل: لماذا نحن دائماً مستعدون للاصطفاف بعنف حتى في معارك لا نملك فيها قراراً ولا تأثيراً ولا وزناً؟
وسائل التواصل، كما الطوابير، عجّت فجأة بالخبراء الاستراتيجيين.
تحليلات يعجز أكبر المحلّلين العسكريين عن المجازفة بها، ومعلومات “سرية” لا يعرفها حتى الموساد. و“نظرية المسرحية” تعود كلّما عجزوا عن الفهم؛ كلّ ما يحدث مُنسّق باتفاق من تحت الطاولة، خامنئي لم يمت، الضربات محسوبة، والكلّ يتقاسم الأدوار.
العقلية واحدة، سواء في العالم الافتراضي أو في عالم الطوابير الموازي.
المشهد ليس مسرحياً بقدر ما هو كاشف وفاضح، فالاصطفاف الذي وصل حدّ الشماتة في إيران عند البعض ليس بالضرورة موقفاً سياسياً أو نقداً من منظور حقوقي، وأحياناً يعكس موقفاً طائفياً؛ والاصطفاف هنا عاطفي، طائفي، غريزي.
لماذا نحن دائماً مستعدون للاصطفاف بعنف حتى في معارك لا نملك فيها قراراً ولا تأثيراً ولا وزناً؟
في القانون الدولي هناك قاعدة واضحة، من حقّ أيّ دولة أن تدافع عن نفسها إذا تعرّضت لاعتداء مسلّح. هذا نصّ صريح في ميثاق الأمم المتحدة، لكننا نتعامل معه بانتقائية مفضوحة، نصفّق لحقّ أوكرانيا في الدفاع عن نفسها، ثم نصمت حين يتعلّق الأمر بإيران، بل قد يتحوّل من يدافع عن نفسه إلى “إرهابي“، كما حدث في غزّة. والأمثلة أكثر من أن تُحصى.
إيران دولة قديمة ومُتجذّرة في التاريخ، ليست كياناً حديثاً أو دولة مُستحدثة.
ورغم أربعة عقود من العقوبات، تمكّنت من بناء قاعدة صناعية وعسكرية مُتقدّمة، من تخصيب اليورانيوم إلى تطوير الصواريخ فرط الصوتية والمُسيّرات الشبحية، لكنها في النهاية دولة لها حساباتها ومصالحها، مثل غيرها.
هذا هو منطق الدول في السياسة، بعيداً عن عواطفنا وثنائيات الخير والشر والمقاومة والاحتلال.
وسط زحمة الطوابير، دعونا نمسح المرآة وننظر إلى أنفسنا. ليبيا لا تصنع حتى مفرقعات، اقتصاد ريعي منهار قائم على النفط وحده. وإذا هوت أسعار النفط أو تعطّل الإنتاج أو أُغلق ميناء لتصدير النفط، قولوا على مرتباتكم السلام.
ليبيا تستورد كلّ شيء تقريباً، حتى أعواد الثقاب، ومع ذلك نتصرّف كأننا رقم صحيح في معادلة من مجهولين لا حلّ لها.
هذا التماهي هو إحدى آليات الدفاع أو الهروب النفسي. حين تعجز الجموع عن تغيير واقعها، تبحث عن معركة أكبر تذوب فيها، كي تعوّض هشاشتها اليومية بالانتشاء بقوّة الآخرين. وهذا رأيناه في كلّ صراع حولنا تقريباً. نختار معسكراً حسب المزاج ونهتف على علو حناجرنا، ثم نغلق الهاتف ونعود إلى طابور البنزين نجرّ أذيال الخيبة.
لا شك أنّ الجغرافيا السياسية مترابطة أكثر مما نتصوّر. كلّ تصعيد في الخليج الفارسي لن يؤدي فقط إلى ارتفاع أسعار الطاقة، بل ربما إلى إعادة تموضع التحالفات وإلى إخلال توازنات القوّة في المنطقة.
ليبيا ليست معزولة ولن تكون استثناء. حتى لو لم نكن في مدى الصواريخ أو تصلنا المُسيّرات، فحتماً سيصلنا أثرها بشكل أو بآخر.
ليست الإشكالية في متابعة ما يحدث، بل في الطريقة التي نتابعه بها. ليست في الانحياز، بل في الأساس الذي بُني عليه انحيازنا، وفي تجاهل بيتنا الداخلي المُتفحّم بينما ننشغل بتحليل حرائق مطار هنا أو برج هناك.
قبل أن نسأل من سينتصر، ربما علينا أن نسأل سؤالاً أبسط: لماذا ما زلنا عاجزين عن أن نكون دولة فاعلة لا مفعولاً بها؟ الحرب قد تعيد رسم خرائط المنطقة. أما نحن، فما زلنا عاجزين حتى عن رسم خريطة طريق تنهي انقسامنا وتكسر الطوابير.
___________
