بينما تذهب تقارير صحفية إلى وجود مشاورات لتشكيل لجنة حوار مصغرة تتولى مهمة التوافق على تشكيل حكومة موحدة في ليبيا، أجرى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة عدداً من التعديلات الوزارية بغية سد الشواغر داخل التشكيلة الحكومية.

ليبيا بين مشاورات دولية وتعديلات وزارية محلية

إلى ذلك، قال عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا: إنّ التعديلات الوزارية الأخيرة تأتي في إطار سعي الحكومة لتعزيز الأداء الحكومي ومواجهة التحديات الراهنة، مؤكداً أنّ الحكومة تستمد شرعيتها من الإطار السياسي المنظم لجميع المراحل الانتقالية.

وأوضح أنّ حكومته ستواصل جهودها للدفع نحو توحيد مؤسسات الدولة، مع التشديد على عدم التهاون مع أيّ شكل من أشكال الفساد ودعم جهود المؤسسات الرقابية والنيابة العامة. وأضاف أنّ الملف الاقتصادي سيكون في مقدمة أولويات الحكومة خلال المرحلة المقبلة لمعالجة التحديات الاقتصادية وتحقيق الاستقرار المالي والنقدي.

وأشار إلى أنّ الوزراء الجدد والسابقين سيخضعون لبرنامج تدريب وورش عمل تحت إشراف المجلس للتطوير الاقتصادي والاجتماعي بهدف توحيد منهجية العمل داخل الحكومة. وأعلن عن تعديل مسمّى وزير الدولة للشؤون الاقتصادية ليصبح وزارة دولة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وفي السياق نفسه، أكد استعداد الحكومة لتسليم السلطة إلى حكومة ناتجة عن انتخابات شرعية تقوم على قواعد متفق عليها وقابلة للتنفيذ، داعياً الأطراف المختلفة إلى مدّ أيديهم للحوار من أجل إنجاز الانتخابات وتحقيق تطلعات الشعب الليبي لإنهاء الانقسام. ودعا إلى تنفيذ الاتفاق التنموي الموحد بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب بما يضمن التوزيع العادل للتنمية.

هذا، وعلّق محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي في غرب ليبيا، على التعديلات الوزارية التي شهدتها حكومة الوحدة الوطنية، مؤكداً أنّ ما جرى يندرج في سياق سدّ الشواغر داخل الحكومة وضمان استمرار العمل الحكومي دون تعطيل. وأوضح أنّ أيّ تعديل وزاري يمسّ التشكيلة الوزارية الأصلية ينبغي أن يتم وفق الأطر المتفق عليها بما يعزز التوافق الوطني ويحفظ مؤسسات الدولة.

تغييرات في الحقائب الوزارية

وشمل التعديل عدداً من الحقائب، أبرزها إقالة وزير الاقتصاد والتجارة محمد الحويج وتكليف سهيل بوشيحة خلفاً له، وتعيين راشد أبوغفة وزيراً للمالية بدلاً من خالد المبروك، وتسمية وكيل وزارة الصحة محمد الغوج وزيراً للصحة.

وتضمن التعديل تعيين سالم الزادمة نائباً لرئيس مجلس الوزراء لشؤون المنطقة الجنوبية، وتكليف محمد الدبيب وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، وهيثم الزحاف وزيراً للشباب والرياضة، إضافة إلى تكليف فتح الله الزني وزير دولة بوزارة الخارجية لشؤون أفريقيا، إلى جانب تغييرات أخرى طالت حقائب مثل التربية والتعليم والثقافة وشؤون المرأة، بحسب وسائل إعلام ليبية.

من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي خالد محمد الحجازي: إنّ التعديلات الوزارية الأخيرة التي أعلنها رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة تأتي في توقيت حساس بالداخل الليبي، خاصة مع تصاعد الأزمة المعيشية وارتفاع سعر الصرف، الأمر الذي وضع الحكومة تحت ضغط شعبي متزايد نتيجة تدهور القدرة الشرائية وازدياد حالة الاستياء بين المواطنين.

خلافات وتوافقات بين المؤسسات

ويتابع الدكتور الحجازي تصريحاته بقوله: إنّه يمكن قراءة هذه الخطوة من زاويتين أساسيتين: الأولى تتعلق بمحاولة الحكومة في طرابلس امتصاص الغضب الشعبي، حيث تسعى الحكومة إلى إظهار أنّها تتحرك لمعالجة الخلل داخل مؤسساتها وتحسين الأداء الإداري والخدمات العامة، خصوصاً في قطاعات حساسة مثل التعليم والثقافة والمالية والاقتصاد.

ويبدو أنّ هذه التعديلات تهدف إلى إعطاء انطباع بوجود مراجعة للأداء الحكومي في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، ومحاولة تخفيف الاحتقان الشعبي الناتج عن ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة المحلية.

أمّا الزاوية الثانية، فتتعلق بإعادة ترتيب التحالفات داخل معسكر الغرب الليبي. فعدد من المراقبين يرون أنّ التعديل الوزاري قد يكون جزءاً من محاولة إعادة بناء شبكة الدعم السياسي داخل طرابلس والمنطقة الغربية، خاصة في ظل الضغوط الداخلية والخارجية التي تدفع نحو تشكيل حكومة موحدة تقود البلاد إلى الانتخابات وتُنهي حالة الانقسام المؤسسي.

وبسؤاله عن دلالات إشراك محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة، في مشاورات التعديل الوزاري، أجاب الكاتب الليبي: إنّ إشراك رئيس المجلس الأعلى للدولة في المشاورات يحمل عدة دلالات سياسية.

فمن جهة قد يكون الهدف خلق غطاء سياسي أوسع لهذه التعديلات، باعتبار أنّ المجلس الأعلى للدولة يمثل أحد أطراف الاتفاق السياسي، ومن جهة أخرى قد يعكس ذلك محاولة لإعادة التوازن داخل معسكر الغرب الليبي، حيث إنّ العلاقة بين المؤسسات الثلاث ـ الحكومة والمجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة ـ غالباً ما تخضع لحسابات التوازن السياسي وتقاسم النفوذ.

كما قد تكون هذه التعديلات جزءاً من ترتيبات أوسع تتعلق بمستقبل السلطة التنفيذية في ليبيا في ظل الضغوط الدولية المتزايدة لتشكيل حكومة موحدة.

ويقدّر الحجازي أنّ التعديلات فجّرت أيضاً خلافاً مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، الذي اعتبر أنّ بعض الإجراءات قد تتجاوز الإطار الدستوري أو لم تتم بالتشاور الكافي مع المجلس. غير أنّ هذا الخلاف يعكس، في جوهره، الصراع المستمر بين مؤسسات السلطة التنفيذية في الغرب الليبي، حيث تسعى الأطراف المختلفة إلى الحصول على امتيازات وزارية أو فرض شخصيات قريبة منها داخل الحكومة.

لكنّ اللافت، بحسب الحجازي، أنّ التعديل الوزاري حظي لاحقاً بمباركة من المنفي، رغم مواقفه السابقة المتحفظة، وهو ما يعكس طبيعة التناقضات التي تحيط بالتوازنات السياسية المتغيرة داخل مؤسسات السلطة في طرابلس.

وفي السياق نفسه، فإنّ طرح ملف المصالحة مع بعض الشخصيات الأمنية المؤثرة في المنطقة الغربية قد يكون مؤشراً على وجود تحركات لإعادة ترتيب موازين القوة داخل طرابلس.

ففي مثل هذه الحالات غالباً ما تُستخدم المصالحات كأداة لتهيئة البيئة السياسية والأمنية قبل اتخاذ خطوات أكبر، سواء كانت سياسية أو أمنية، خاصة في العاصمة الليبية طرابلس التي ما تزال التوازنات المسلحة فيها تلعب دوراً مؤثراً في تحديد مسار الأحداث. وأمل الحجازي، للمصدر ذاته، ألّا تكون هذه المصالحة خطوة من أجل جرّ اقتتال داخل العاصمة طرابلس، لا سيّما ضد قوات الردع.

إلى ذلك، يختتم المحلل السياسي الليبي خالد الحجازي تصريحاته بقوله: إنّ التعديلات التي جرت في تشكيل حكومة عبد الحميد الدبيبة، والتصريحات التي صاحبت ذلك التغيير بين الفاعلين المحليين، سواء محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة أو محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، لا تعكس سوى تحالف تكتيكي بين القوى الثلاث مرتبطاً بمتغيرات اللحظة وضروراتها، لا سيّما مع تزايد التقارير التي تتحدث عن ضغوط المبعوث الأمريكي مسعد بولس للعمل على تشكيل حكومة موحدة في البلاد والتحرك نحو الاستحقاق الانتخابي.

بدوره يرى الكاتب الليبي عصام التاجوري أنّ التعديلات الوزارية الأخيرة التي أجراها رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، تثير جدلية سياسية واسعة.

ويتابع التاجوري حديثه قائلاً: إنّ بعض المراقبين يرون أنّ التعديلات الأخيرة تمثل فرض أمر واقع واستمرارًا للهيمنة على المال العام، كما أنّها لن تسهم في حل الأزمات الاقتصادية والمعيشية، بل قد تعمّق الانقسام وتشجع الاصطفافات الجديدة بين القوى السياسية.

في المقابل، يُنظر إلى مبادرة رئيس الحكومة الليبية أسامة حماد على أنّها محاولة لإنقاذ الوضع من خلال الحوار الوطني لتشكيل حكومة موحدة ووضع خارطة طريق لإجراء الانتخابات، مع التركيز على ترشيد الإنفاق وتقوية الدينار الليبي بعيدًا عن المصالح الشخصية والحزبية.

ويلفت الكاتب الليبي عصام التاجوري، إلى أنّ الجدلية هنا تتبدى نحو تباين الرؤى بين استمرار تغييرات حكومية محدودة قد يُنظر إليها داخل حدود المناورة السياسية، وأخرى تذهب نحو الدفع بعملية إصلاح شاملة ومصالحة وطنية تفضي إلى سلطة تنفيذية موحدة، وهو ما يجعل المشهد الليبي في حالة توتر بين استقطاب سياسي حاد على خلفية أزمات اقتصادية حادة وارتفاع في سعر الصرف.

____________

مقالات مشابهة