لم يعد واقع الحريات في ليبيا يُقاس بالنصوص القانونية أو الضمانات الدستورية فقط، بل بما تكشفه الوقائع اليومية التي تمس الأفراد، حيث تعكس الحوادث المتكررة فجوة واضحة بين القانون والممارسة، في بيئة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الإجراءات الخارجة عن القانون، مما يجعل حرية التعبير مرتبطة بدرجة الأمان الشخصي أكثر من ارتباطها بالحماية القانونية، وهو ما يضع الأفراد أمام معادلة معقدة تتحول فيها ممارسة الحق إلى تقدير للمخاطر.
وخلال شهر مارس، برزت عدة حوادث في مناطق مختلفة من البلاد، تعكس هذا الواقع بشكل واضح، حيث لا تبدو هذه الوقائع منفصلة عن بعضها، بل تشير إلى نمط متكرر يتخذ أشكالًا متعددة، تبدأ من الاختطاف والاحتجاز، وتمتد إلى الإخفاء القسري، وفي بعض الحالات تنتهي إلى انتهاكات أكثر جسامة، وهو ما يضع مسألة الحريات في قلب المشهد الحقوقي الليبي.
وقائع ميدانية
في مدينة مصراتة، سُجلت حادثة اختطاف الناشط المدني المناهض للفساد المهدي أبوالقاسم عبد العاطي، حيث جرى اقتياده ليلًا من قبل مسلحين ملثمين تابعين لإحدى الجهات الأمنية، بدون إذن قضائي أو مسار قانوني واضح.
وقد أثارت هذه الواقعة قلقًا واسعًا، خاصة أنها تستهدف ناشطًا معروفًا بانتقاداته، ما يعكس إشكالية التعامل مع النشاط المدني والنقد العام، ويطرح تساؤلات حول حدود عمل الأجهزة الأمنية ومدى التزامها بالإجراءات القانونية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحرية التعبير والعمل السياسي.
ولا تبدو هذه الحادثة معزولة، بل تتقاطع مع وقائع أخرى في مناطق مختلفة.
ففي شرق البلاد، وتحديدًا داخل سجن الكويفية بمدينة بنغازي، تستمر معاناة أكثر من 140 محتجزًا، من بينهم نساء وفتيات وكبار سن، إضافة إلى معتقلين من أتباع الطرق الصوفية، حيث يُحتجز عدد منهم منذ ما يزيد عن عامين دون عرض على النيابة العامة، بينما صدرت بحق آخرين أوامر قضائية بالإفراج لم تُنفذ.
ويخضع هؤلاء لسيطرة جهة عسكرية بدل الإدارة المدنية المختصة، وهو ما يعكس خللًا واضحًا في الإجراءات القانونية، ويطرح تساؤلات حول مدى احترام مبدأ سيادة القانون.
ويمتد هذا النمط من الانتهاكات إلى حالات الإخفاء القسري، كما في قضية اختفاء حنين العبدلي في بنغازي منذ نيسان/أبريل 2025، والتي لا تزال مجهولة المصير حتى الآن، دون عرض على النيابة العامة أو الكشف عن مكان احتجازها، رغم المناشدات المتكررة من عائلتها، وهو ما يعكس حالة من الغموض القانوني، ويبرز واحدة من أخطر صور الانتهاك، حيث لا يقتصر الأمر على حرمان الشخص من حريته، بل يمتد إلى إنكار وجوده قانونيًا.
وفي سياق آخر، تكشف بعض الوقائع عن مآلات أكثر خطورة لهذه الانتهاكات، كما في حادثة العثور على جثامين داخل مقبرة في منطقة أبوسليم بطرابلس، حيث تم التعرف على هويات الضحايا بعد تحليل الحمض النووي، وتبين أن أحدهم قُتل بإطلاق نار في الرأس، والآخر في الجذع.
وقد ارتبطت هذه الواقعة بسياق اعتقال سابق داخل أحد السجون غير الرسمية، ما يعكس كيف يمكن أن تتطور حالات الاحتجاز خارج القانون إلى انتهاكات جسيمة تمس الحق في الحياة، في ظل غياب الشفافية والمحاسبة.
كما تظهر هذه الإشكالات بشكل واضح في قضايا أخرى داخل المنطقة الغربية، من بينها قضية مقتل الشاب إسلام المغربي عبد الله فرج، الذي تعرض للاختطاف والاحتجاز داخل مقر تابع لجهاز أمني، قبل أن يتم تعذيبه ثم إلقاؤه من الطابق الرابع.
في حادثة تعود إلى عام 2023، إلا أن الشكوى المقدمة بشأنها في 2026 تشير إلى تعثر التحقيق، وعدم استكمال الإجراءات القانونية بحق المتهمين، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية مسارات العدالة، وقدرة الجهات المختصة على ملاحقة المسؤولين عن مثل هذه الجرائم.
وفي موازاة ذلك، تعكس تحركات أهالي السجناء والموقوفين في طرابلس جانبًا آخر من الأزمة، حيث نظموا وقفة احتجاجية أمام مؤسسات رسمية للمطالبة بتنفيذ أوامر الإفراج الصادرة عن القضاء، وضمان عرض أبنائهم على المحاكم ضمن الآجال القانونية، إضافة إلى تحسين أوضاعهم داخل السجون، والسماح بالزيارات
وقد أشار المحتجون إلى استمرار احتجاز بعض السجناء رغم صدور قرارات بالإفراج عنهم، وهو ما يعكس فجوة بين القرارات القضائية وتنفيذها على أرض الواقع.
ولا يقتصر هذا النمط على حالات فردية، بل يظهر أيضًا في وقائع احتجاز مطولة، كما في قضية اعتقال العقيد عبدالرحمن التواتي في مدينة البيضاء منذ عام 2024، حيث لا يزال محتجزًا دون مسوغ قانوني واضح.
مع ورود معلومات عن نقله بين جهات أمنية مختلفة، دون تمكينه من حقوقه القانونية، أو عرضه المنتظم على القضاء، وهو ما يعكس إشكالية الاحتجاز طويل الأمد خارج إطار القانون.
وبالنظر إلى هذه الوقائع مجتمعة، يمكن ملاحظة ترابط واضح بينها، حيث تبدأ بعض الحالات بالاختطاف أو الاعتقال، ثم تستمر من دون إجراءات قانونية، وفي حالات أخرى تتحول إلى إخفاء قسري.
وقد تنتهي في بعض السياقات إلى انتهاكات أشد خطورة، بينما تتعثر في المقابل مسارات التحقيق أو تنفيذ الأحكام، وهو ما يشير إلى نمط متكرر يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية بين الشرق والغرب.
سياق مؤسسي
وفي هذا الإطار، لا تتأثر حرية التعبير فقط بالإجراءات المباشرة، بل أيضًا بالبيئة العامة التي تخلقها هذه الوقائع، حيث يؤدي تكرار مثل هذه الحالات إلى حالة من الحذر داخل المجتمع، تجعل الأفراد يعيدون حساباتهم قبل التعبير عن آرائهم، ليس بسبب وجود قانون يمنعهم، بل نتيجة تقديرهم للمخاطر المحتملة، وهو ما ينعكس على طبيعة النقاش العام ومستوى المشاركة فيه.
هذا الامتداد في الوقائع لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعمل فيه المؤسسات الأمنية والقضائية في ليبيا، حيث تعيش البلاد حالة من التداخل بين السلطات وتعدد مراكز القرار.
وهو ما ينعكس بشكل مباشر على كيفية التعامل مع القضايا الحقوقية، فغياب مرجعية موحدة يفتح المجال أمام تفاوت في الإجراءات، ويجعل من تطبيق القانون مسألة غير مستقرة، تختلف من منطقة إلى أخرى، بل ومن جهة إلى أخرى داخل نفس المدينة.
في شرق البلاد، يظهر هذا الواقع بشكل أكثر وضوحًا في طبيعة التعامل مع قضايا الاحتجاز المطول، في سياق تغلب فيه المقاربة الأمنية على الاعتبارات القانونية، وتُدار فيه بعض الملفات خارج الأطر القضائية التقليدية، حيث تستمر بعض الحالات بدون عرض منتظم على القضاء، أو بدون تنفيذ الأحكام الصادرة بالإفراج، وهو ما يعكس نمطًا يتكرر في أكثر من ملف، ويؤثر على مسار العدالة بشكل مباشر، خاصة عندما يتحول الاحتجاز من إجراء مؤقت إلى وضع دائم من دون مبرر قانوني واضح.
وفي الوقت ذاته، لا تبدو الإشكالات في غرب ليبيا أقل تعقيدًا، وإن اختلفت في طبيعتها، حيث تتداخل صلاحيات بعض الأجهزة الأمنية مع عمل المؤسسات الرسمية، ما يؤدي في بعض الحالات إلى تعثر التحقيقات أو بطء الإجراءات.
كما في القضايا التي لا تزال مفتوحة بدون حسم، رغم وضوح ملابساتها، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الجهات المختصة على متابعة هذه الملفات بشكل كامل.
هذا التوازي بين المنطقتين لا يعني تماثلًا تامًا في حجم أو طبيعة الانتهاكات، لكنه يعكس مشكلة أوسع تتعلق بضعف منظومة إنفاذ القانون، حيث تظل الإجراءات خاضعة في كثير من الأحيان لاعتبارات غير قانونية، وهو ما ينعكس على حقوق الأفراد، ويجعل من الضـــمانات القــانونية غير كافية في حد ذاتها.
وفي هذا السياق، تتقاطع هذه الإشكالات مع مسألة الإفلات من العقاب، التي تظهر من خلال استمرار بعض الحالات دون محاسبة واضحة، سواء في ما يتعلق بالاحتجاز أو الإخفاء أو حتى القضايا التي انتهت بوفاة الضحايا، حيث لا تزال بعض الملفات مفتوحة بدون استكمال الإجراءات، أو الوصول إلى نتائج نهائية، وهو ما يعزز من شعور عام بعدم جدية المساءلة.
كما أن استمرار هذه الوقائع بدون معالجة فعالة ينعكس على ثقة المواطنين في المؤسسات، حيث يصبح اللجوء إلى القضاء غير كافٍ في حد ذاته إذا لم تُنفذ قراراته، وتفقد الإجراءات القانونية جزءًا من قيمتها عندما لا تترتب عليها نتائج ملموسة.
وهو ما يظهر بشكل واضح في مطالب أهالي السجناء الذين لم يقتصر حراكهم على إنهاء الاحتجاز، بل امتد إلى المطالبة بتنفيذ أحكام صدرت بالفعل. ومن زاوية أخرى، فإن تكرار حالات الاحتجاز والإخفاء، حتى وإن كانت في ملفات منفصلة، يخلق بيئة عامة تتسم بعدم اليقين، حيث لا يقتصر أثر هذه الوقائع على الضحايا المباشرين، بل يمتد إلى المجتمع ككل، إذ تدفع هذه الحالات الأفراد إلى توخي الحذر في التعبير عن آرائهم، وتقلص من مساحة النقاش العام، دون الحاجة إلى وجود قيود قانونية صريحة.
أبعاد قانونية
وفي هذا السياق، تكتسب هذه الوقائع بعدًا قانونيًا أوسع، حيث تنص التشريعات الليبية، بما في ذلك قانون الإجراءات الجنائية، على ضرورة عرض الموقوف على النيابة العامة خلال آجال محددة، وضمان حقه في الدفاع والتواصل مع محاميه.
كما يجرّم القانون رقم 10 لسنة 2013 التعذيب والإخفاء القسري، ويضعها ضمن الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، ومع ذلك، فإن تكرار حالات الاحتجاز خارج هذه الأطر يشير إلى فجوة بين النص والتطبيق، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى التزام الجهات المنفذة بهذه القوانين.
وعلى المستوى الدولي، فإن ليبيا طرف في عدد من الاتفاقيات التي تضمن حماية حقوق الإنسان، من بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي ينص على عدم جواز الاعتقال التعسفي، وضرورة تمكين المحتجز من الطعن في قانونية احتجازه.
كما تحظر الاتفاقيات الدولية الإخفاء القسري باعتباره انتهاكًا جسيمًا للحقوق الأساسية، وفي بعض الحالات، قد يرتقي إلى جريمة ضد الإنسانية إذا تم بشكل منهجي وعلى نطاق واسع، وهو ما يجعل هذه القضايا لا تقتصر على الإطار المحلي، بل تندرج ضمن اهتمام آليات دولية معنية بمتابعة مثل هذه الانتهاكات.
كما أن استمرار بعض هذه الممارسات، خاصة تلك المرتبطة بالاحتجاز المطول أو عدم تنفيذ الأحكام القضائية، قد يفتح المجال أمام مسارات مساءلة دولية، سواء من خلال آليات الأمم المتحدة أو عبر القضاء الدولي، في حال تعذر الوصول إلى العدالة على المستوى المحلي، وهو ما يعكس أهمية معالجة هذه الملفات داخليًا، ليس فقط من منظور حقوقي، بل أيضًا من زاوية الحفاظ على سيادة الدولة ومؤسساتها.
وفي موازاة ذلك، ينعكس هذا الواقع الحقوقي بشكل مباشر على البيئة الإعلامية وطبيعة العمل الصحافي في ليبيا، حيث لا تقتصر تداعيات الاحتجاز التعسفي أو الإخفاء القسري على الضحايا المباشرين.
بل تمتد لتؤثر على الصحافيين والعاملين في المجال الإعلامي، الذين يجدون أنفسهم أمام مساحة عمل غير مستقرة، تتداخل فيها المخاطر المهنية مع المخاطر الأمنية، ففي ظل غياب ضمانات واضحة، يصبح تناول بعض القضايا، خاصة تلك المرتبطة بالفساد أو الانتهاكات أو أداء الأجهزة الأمنية، أمرًا محفوفًا بالحذر، وهو ما ينعكس على طبيعة المحتوى المنشور، ومستوى الجرأة في الطرح.
وقد أدى هذا الواقع إلى تراجع نسبي في التغطية المتعمقة لبعض الملفات الحساسة، مقابل الاعتماد على الصياغات العامة أو تجنب الخوض في تفاصيل قد تثير ردود فعل من جهات نافذة.
وهو ما لا يرتبط بوجود رقابة قانونية مباشرة بقدر ما يرتبط ببيئة عامة غير آمنة، تدفع إلى الرقابة الذاتية كخيار احترازي، خصوصًا في ظل غياب آليات حماية فعالة للصحفيين، أو قنوات واضحة يمكن اللجوء إليها في حال التعرض للتهديد أو الانتهاك.
كما يتأثر النشطاء في المجال الرقمي بشكل مشابه، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي، رغم اتساعها، مجالًا يتطلب قدرًا من الحذر في التعبير، خاصة عند تناول قضايا ذات طابع سياسي أو أمني، وهو ما يحد من دور هذه المنصات كمساحة للنقاش العام، ويؤثر على قدرتها في نقل صورة كاملة عن الواقع، في ظل غياب ضمانات تحمي المستخدمين من التبعات المحتملة.
وفي هذا الإطار، لا تقتصر آثار هذه البيئة على تقليص مساحة التعبير، بل تمتد إلى التأثير على تدفق المعلومات نفسها، حيث تصبح بعض الوقائع أقل ظهورًا أو تتأخر في الوصول إلى الرأي العام.
وهو ما ينعكس على مستوى الوعي العام بالقضايا الحقوقية، ويجعل من الصعب تكوين صورة دقيقة عن حجم الانتهاكات أو طبيعتها، خاصة في ظل غياب قنوات رسمية منتظمة لنشر البيانات أو توضيح المواقف.
وفي المحصلة، فإن ما تعكسه هذه الوقائع لا يقتصر على تعدد الحالات، بل يشير إلى بيئة حقوقية لم تستقر بعد على قواعد واضحة، حيث تظل الحريات مرتبطة بتوازنات قائمة أكثر من ارتباطها بضمانات ثابتة، في انتظار تطور مؤسسي يضمن تحويل النصوص القانونية إلى ممارسة فعلية، ويحد من تكرار هذه الأنماط في المستقبل، وهو ما يجعل من مسألة الحريات في ليبيا اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء نظام قانوني مستقر.
___________