أسامة علي

خرجت أزمة الصراع داخل سلطة عائلة خليفة حفتر الحاكمة في شرق ليبيا إلى العلن لأول مرة بعد أشهر طويلة من التنافس المكتوم، بعد اجتماع رعته الولايات المتحدة وجمع بين ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة وقيادة حفتر، يوم الاثنين الماضي.

وانعقد الاجتماع في تونس في إطار مواصلة مناقشة تنفيذ خطة أميركية يشرف عليها مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، وتهدف إلى توحيد السلطة السياسية في ليبيا، امتدادًا لسلسلة اجتماعات سابقة، عُقدت في روما خلال سبتمبر/أيلول الماضي، وباريس في يناير/كانون الثاني الماضي، في لقاءات مباشرة بين صدام حفتر، ممثلًا لسلطة والده، وإبراهيم الدبيبة، المستشار الخاص لعبد الحميد الدبيبة.

وفيما لم يُعلنه طرفا الاجتماع رسمياً، انفرد العربي الجديدبنشر تفاصيله، فقد كشفت مصادر ليبية مطلعة في تصريحات سابقة أن الاجتماع انعقد بتمثيل وليد اللافي وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية في حكومة الوحدة الوطنية، المقرب من الدبيبة، إلى جانب رفعت العبار، قائد الاستثمارات النفطية في معسكر حفتر، ممثلًا لصدام حفتر بصفته نائبًا لما يُعرف بـالقيادة العامة للجيش الوطني“.

ووفق المصادر ذاتها، فإن الاجتماع خُصص لمناقشة ترتيبات لتوحيد السلطة المالية، في إطار الاتفاق التنموي الموحد الذي وقعه ممثلون عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي برعاية أميركية، بهدف إنشاء موازنة موحدة بين السلطتين في طرابلس وبنغازي.

وخلال الاجتماع، أعلن رئيس صندوق التنمية وإعادة الإعمار، بلقاسم حفتر (شقيق صدام حفتر)، اعتراضه على لقاء تونس، معتبرًا أن مخرجاته غير ملزمة له“. وذهب بلقاسم إلى أبعد من ذلك حين أكد أن رفعت العبار لا يمثل مدن الشرق والجنوب في ما يتعلق بالجانب التنموي والاقتصادي والميزانية العامة وميزانية التنمية، مشددًا على أن ما قد يصدر عن الاجتماع لن يُؤخذ بعين الاعتبار، والمخرجات غير ملزمة له، لعدم وجود من يمثله بشكل صحيح، وأن هذا المسار بهذا الشكل يقف عائقًا أمام مشروع التنمية الوطني“.

وفيما أشار بلقاسم حفتر إلى أن الاجتماع يتناول مسارات مالية واقتصادية من شأنها التأثير على الوضع التنموي في البلاد، وما تشهده مدن شرق وجنوب البلاد من طفرة تنمويةفي إشارة للمشروعات التي يقودها، أكد أن الصندوق الذي يترأسه ملتزم بالقوانين والتشريعات الصادرة عن مجلس النواب واستمراره في تنفيذ خططه التنموية بعيدًا عن أي تجاذبات“.

وفي سياق تداعيات الاجتماع، كشفت مصادر برلمانية لـالعربي الجديدعن كواليس أوسع للخلافات بين أولاد حفتر، بما في ذلك تأثيرها على أطراف السلطة السياسية الموالية لحفتر، ومنها صلة رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، المنحاز إلى جانب بلقاسم، ورئيس حكومة مجلس النواب أسامة حماد المنحاز إلى جانب صدام.

ووفق المصادر البرلمانية ذاتها، فإن الخلاف بين أولاد حفتر يمتد إلى العديد من الملفات ولا يقتصر على مسألة تحديد موازنة الدولة الموحدة، حيث يتهم بلقاسم شقيقه صدام بالسعي لإقصاء إخوته عبر أذرع يدعمها في أكثر من اتجاه.

وذكرت المصادر أن بلقاسم أبدى انزعاجه عديد المرات من إنشاء شقيقه صدام جهاز التنمية الوطنيبوصفه جهازاً موازياً لصندوق التنمية وإعادة الإعمار، وبدأ تنفيذ مشروعات تنموية واسعة في مدينة سرت، وسط شمال البلاد، وفي مناطق الجنوب، معتبرًا أن شقيقه دخل على مشروع التنمية الذي يعد ورقته الرابحة التي خلقت له حضورًا شعبيًّا.

وأكثر من ذلك، يتهم بلقاسم شقيقه صدام بالاستفادة من عائدات شركة أركنو، التي أنشأها بالتعاون مع عائلة الدبيبة ضمن صفقة غير معلنة لبيع النفط الليبي خارج شرعية المؤسسة الوطنية للنفط، وتُدار من قبل رفعت العبار، الذي يُعد من أبرز رجال صدام، لتمويل مشروعات جهاز التنمية الوطني.

وفي الوقت نفسه، يسعى صدام لعقد اتفاق تنموي موحد مع سلطة الدبيبة، ما يهدد بشكل مباشر مصادر تمويل صندوق التنمية الذي يقوده بلقاسم.

كما برز ملف الاتفاق الاقتصادي البحري بين ليبيا وتركيا بوصفه أحد محاور الخلاف بين الأشقاء، إذ يسعى صدام إلى الضغط على مجلس النواب، عبر رئيس الحكومة أسامة حماد، للمصادقة عليه، في إطار تقاربه مع أنقرة، بينما يتجه بلقاسم وعقيلة صالح إلى عرقلته، حيث أجرى الأخير زيارة في ديسمبر/كانون الأول الماضي إلى أثينا التي تعارض الاتفاق، لمحاولة لوضع عراقيل أمام تمريره، كما استقبل خالد حفتر، الموالي لشقيقه بلقاسم، مطلع الأسبوع الجاري، وزير الخارجية اليوناني، جيورجوس جيرابيتريتيس الذي اجتماعًا مع خليفة حفتر لمناقشة قضية الاتفاق الحدودي الاقتصادي بين ليبيا واليونان.

وفي السياق نفسه، سعى بلقاسم وعقيلة صالح لإطاحة رئيس الحكومة أسامة حماد، عبر تمرير مشروع داخل مجلس النواب لتعيين نائبه، علي القطراني الموالي لبلقاسم، رئيسًا للحكومة، لكن المصادر أكدت أن صدام أفشل هذه المحاولة، وعمل على تعزيز موقع حليفه حماد في منصبه.

ووفقًا للمصادر نفسها، فإن قضايا الخلاف تشمل أيضًا شكوى أشقاء صدام من مساعيه للانفراد بإدارة العلاقات الخارجية، سواء على المستوى العسكري من خلال زياراته إلى عواصم مؤثرة وعقد اتفاقيات عسكرية، أو على المستوى السياسي عبر اتصالاته مع الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، التي باتت تفضله على إخوته الآخرين، حيث بدا واضحًا أنها تدعمه بوصفه ممثلاً لسلطة والده في مسارات التقارب مع طرابلس، سواء في ما يتعلق بتوحيد السلطة السياسية والمالية، أو ضمن برامج توحيد المؤسسة العسكرية.

ويبدو أن واشنطن تدرك تصاعد حدة الخلاف بين أبناء حفتر، إذ التقى القائم بالأعمال في السفارة الأميركية لدى ليبيا، جيرمي برنت، قبل اجتماع تونس، كلّاً من بلقاسم وخالد في بنغازي، وناقش معهما ضرورة تنفيذ الاتفاق التنموي الموحد وأهمية توحيد المؤسسة العسكرية.

لكن اللافت أن بلقاسم استقبل في اليوم التالي رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، في مكتبه ببنغازي، وناقشا سبل وضع استراتيجية للتنمية باعتبارها مدخلًا لتحقيق الاستقرار وتعزيز وحدة الدولة، وهو لقاء اعتبره مراقبون مؤشرًا واضحًا على توجه بلقاسم لخلق قنوات اتصال موازية مع أطراف معارضة لعبد الحميد الدبيبة داخل طرابلس، بما يفتح مسارًا موازيًا للتواصل مقابل القناة التي تجمع بين الدبيبة وصدام حفتر.

وليس التنافس بين الأشقاء جديدًا، ففي حين برز صدام مبكرًا إلى جانب والده في الحروب العسكرية، وترقى سريعًا في الرتب والمواقع العسكرية، من قائد اللواء طارق بن زياد، أحد أقوى الأذرع العسكرية، مرورًا برئاسته لأركان القوات البرية، وأخيرًا نائبًا له فيما يُعرف بـالقيادة العامة للجيش الوطني، وتمثيله بهذه الصفة لوالده في العلاقات الخارجية.

وبرز بلقاسم ممثلاً سياسياً لوالده في المفاوضات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، قبل أن يتجه إلى مشروعات التنمية وإعادة الإعمار عبر تشكيل جهاز خاص به بوصفه ذراعاً اقتصادية لقيادة والده، بدعم من حليفه عقيلة صالح، الذي أقر الجهاز برلمانياً تحت مسمى صندوق التنمية وإعادة الإعماربمخصصات مالية مليارية، ما منح بلقاسم نفوذاً شعبياً ووجوداً في الأوساط الاقتصادية الدولية.

أما خالد، فقد برز شخصيةً عسكرية موازية لصدام، لكنه لم يتمكن من بناء حشد عسكري قوي إلى جانب والده ضمن بنية قواته، فتولى رئاسة أركان الوحدات الأمنية، قبل أن يدخل في تنافس حاد مع صدام، إذ أعلن والده تعيينه رئيسًا للأركان العامة بعد أسبوع واحد من تعيين صدام نائبًا للقيادة العامة.

____________

مقالات مشابهة