صلاح الهوني

العملية الدستورية تتحول من أداة لبناء الدولة إلى ساحة للسباق نحو السلطة. والسباق لا يُحسم بالدستور، بل بالسيطرة على شروط كتابته.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، نزل الليبيون إلى الشوارع في مشهد لافت نادرا ما تكرر بهذه الصورة منذ 2011. اجتاح “حراك الوطن” مدن الشرق والجنوب والغرب في آنٍ واحد، رافعا شعارا موحدا: “ليبيا وحدة واحدة.. ولا لمرحلة انتقالية جديدة”. ثلاثة ملايين ناخب مسجّل ينتظرون صناديق اقتراع لم تُفتح، وشعب يُقيم في بلد لا دستور دائما له منذ خمسة عشر عاما. هذه ليست أزمة دستورية بالمعنى التقني الضيق، بل هي أزمة إرادة سياسية يرتدي فيها الفراغ القانوني ثوب الاختيار المتعمد.

الحقائق المجردة مثيرة للذهول. أعدّت ليبيا ثلاث مسودات دستورية منذ 2011. انتُخبت هيئة تأسيسية خصيصا لصياغة الدستور عام 2014، وسلّمت مسودتها النهائية إلى مجلس النواب في يوليو 2017.

وحتى اليوم، في عام 2026، لا تزال تلك المسودة تتقلب بين أدراج البرلمان ومكاتب المجلس الأعلى للدولة، دون أن تصل إلى يد المواطن الليبي في استفتاء يُقرّها أو يرفضها. ليبيا لا تزال تحكم نفسها بإعلان دستوري مؤقت صيغ في اضطراب عام 2011، كأنها دولة توقف تاريخها الدستوري في اللحظة الأكثر فوضى.

فهل يعكس هذا التأجيل المزمن عجزا تقنيا أم خلافا فكريا عميقا حول طبيعة الدولة؟ الإجابة الصريحة هي: كلاهما، لكن أيا منهما لم يعد كافيا لتفسير الجمود الراهن. فالخلافات الجوهرية حول شكل الدولة أيكون النظام اتحاديّا أم مركزيّا؟ وما الصلاحيات التي تمنح للأقاليم؟هي خلافات حقيقية ينتج عنها تعقيد تقني حقيقي. لكن المعضلة الأعمق هي أن الكثير من القوى المتنفذة ليست لها مصلحة في حسم هذه الخلافات، لأن الفراغ الدستوري ذاته بات مصدر نفوذ لا عائقا أمامه.

هذا ما يُفسّر ما لاحظه المراقبون من أن الخلافات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة “تعكس صراعا سياسيا على شكل السلطة المقبلة أكثر مما تعكس اختلافا قانونيا حول نصوص القوانين”.

فحين تسعى أطراف متعددة إلى صياغة قواعد انتخابية تخدم مصالحها قبل أن تُجري الانتخابات، فإن العملية الدستورية تتحول من أداة لبناء الدولة إلى ساحة للسباق نحو السلطة. والسباق لا يُحسم بالدستور، بل بالسيطرة على شروط كتابته.

المشهد الراهن يؤكد هذا التشخيص بصورة جلية. فمجلس النواب أجرى تعديلا دستوريا أحاديا ونشره في الجريدة الرسمية، فرفضه أربعة وخمسون عضوا من المجلس الأعلى للدولة في بيان مشترك، واصفين إياه بـ”الخطوة الأحادية الاستباقية التي تنتهك التفاهمات الجارية”.

وفي المقابل، يتهم رئيس المجلس الأعلى للدولة حكومة الوحدة الوطنية بمحاولة إفشال المسار الدستوري. والبعثة الأممية، التي أطلقت “الحوار المهيكل” في ديسمبر 2025 بمشاركة 124 شخصية، تُقرّ ضمنا بأن الأشهر الماضية لم تشهد أي تقدم حقيقي، وأن التعثر المزمن فرض البحث عن أدوات بديلة. هذه هي التجربة الأممية الثالثة من نوعها في ليبيا سبقها حوار 2015 وحوار 2020- وكلها أنتجت توصيات غير ملزمة انتهت إلى رفوف الأرشيف.

السؤال الأصعب الذي يتجنب المجتمع الدولي الإجابة عنه بصراحة هو: لماذا لا يُفضي الضغط الخارجي إلى نتيجة؟ الإجابة تكمن في بنية الحوافز. القوى المتنفذة في ليبيا تعيش أفضل ما تعيشه في ظل الغموض الدستوري: فلا المحاسبة البرلمانية تُلاحقها، ولا الانتخابات تُهددها، ولا دستور دائم يُقيّد صلاحياتها أو يُحدد مدة نفوذها.

وطالما بقيت تكلفة الجمود أدنى من تكلفة التسوية الحقيقية، سيستمر الجمود. هذه معادلة بسيطة تُدرك رهاناتها كل الأطراف، ومع ذلك يتظاهر الوسطاء الدوليون في أحيان كثيرة بأن المشكلة فنية لا سياسية.

التفاصيل الدستورية لها أهميتها بالطبع. فالخلافات حول صلاحيات الرئيس وضمانات الأقليات ومعادلة التمثيل الإقليمي ليست خلافات وهمية. لكن الدرس الذي تقدمه ليبيا لمنظومة الانتقال الديمقراطي عالميا هو أن وجود مسودة دستور ممتازة لا يكفي إذا كانت الطبقة السياسية المسيطرة تفتقر إلى الحافز لإقرارها. ولهذا لا يكفي الحوار الدبلوماسي وحده، لأن الحوار في غياب الضغط يُصبح إطارا لإدارة الانسداد لا لتجاوزه.

ما تحتاجه ليبيا اليوم ليس حوارا مهيكلا جديدا بمشاركة أوسع. ما تحتاجه هو تغيير في معادلة التكلفة: إما عبر ضغط دولي ذي أسنان حقيقية يشمل عقوبات على المعرقلين بالاسم لا على الشعب الليبي المثقل أصلاً وهو ما دعا إليه مراقبون باتوا يفقدون الصبر على تجارب الحوار المتكررةوإما عبر حراك شعبي داخلي يرفع تكلفة الانسداد على أصحاب النفوذ أكثر مما ترفعها المفاوضات المغلقة. ولعل حراك نوفمبر 2025 يمثّل بذرة من هذا النوع الثاني، وإن كان حجمه لم يبلغ بعد ثقلاً يُرغم أي طرف على مراجعة حساباته.

الشعب الليبي لم يفقد الرغبة في الدولة. ثلاثة ملايين مسجّل في قوائم الانتخابات ينتظرون دليل على ذلك. لكن الدولة لا تُبنى بالرغبة وحدها، بل بانتزاع القرار ممن يستفيدون من غيابها.

وهذا الانتزاع سواء جاء من داخل المنظومة السياسية أو من ضغط شعبي متصاعد أو من ضغط دولي جادهو وحده ما سيُحرّك الدستور من درج مجلس النواب إلى يد المواطن الليبي. وحتى يحدث ذلك، ستواصل ليبيا العيش في فراغ قانوني يُحكم قبضته عليها سنة بعد سنة، بينما تُقدّم مواعيد نهائية تمر كأنها لم تكن.

___________

مقالات مشابهة