السنوسي بسيكري
المعطيات الراهنة لا تفيد بإمكان تحقق اختراق وتجاوز العقبة الكؤود، فالعسكريون هم القوة النافذة في الشرق، حفتر وأبنيه صدام وخالد، وهناك أدلة على تصدر صدام للمشهد السياسي والعسكري هناك.
ابتدعت البعثة الأممية إلى ليبيا آلية ضمت 8 أعضاء تتقاسم عضويتهم كتلتي الغرب والشرق المتنازعتين (4+4)، وذلك كبديل للمسار المعني بحل الخلافات السياسية والذي يهيمن عليه مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والذي أخفق في تجاوز الخلافات بينهما لسنوات.
الإضافة الجوهرية في هذه الألية هي أنها تقحم بشكل مباشر “القوى النافذة” في الغرب والشرق، وهما حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة، في المسار التفاوضي، لتضم هذه الألية عضوين عن مجلس النواب، وعضوين عن المجلس الأعلى للدولة، وممثلان لحكومة الوحدة وآخران يمثلان القيادة العامة.
تسمية الألية الجديدة 4+4 يوهم أن التفاوض يقع بين الجبهتين الرئيسيتين، الغرب (المجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة الوطنية) والشرق (مجلس النواب والقيادة العامة)، وهو في ظاهره صحيح، وهناك دلائل عديدة على صحة هذا الاصطفاف، والإيهام يأتي من أن التوصيف يغفل تطورات مهمة ربطت بين مصالح حيوية لكلا الفريقين، خاصة حكومة الوحدة والقيادة العامة.
من جهة أخرى، فإن النظر المتفحص في مواقف الأطراف الأربعة، عن كل جبهة، الذين ضمتهم الألية الجديدة، يكشف أن أجندتهم تختلف نسبيا، وربما تتصادم، وقد عكس ذلك الخلاف الذي وقع حول خطة مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، هذا بالإضافة إلى عدم الجزم بتمثيل أعضاء مجلس النواب والأعلى للدولة في الألية لمجالسهم، والموقف واضح على الأقل بنسبة للعضوين عن المجلس الأعلى للدولة.
بالنسبة لممثلي “القوى النافذة“، فقد دار جدل حول أهليتهم ومؤهلاتهم، وحاول البعض الترويح لفكرة أن ممثلي القيادة العامة من الوزن الثقيل سياسيا وقانونيا، في مقابل تأهيل وخبرة محدودة لممثلي حكومة الوحدة، والنظر إلى السيرة الذاتية للمعنيين تعزز هذا التقييم.
لكن الحقيقة التي تم إغفالها هو أنهم جميعهم لا يمثلون إرادة حرة في التفاوض ليكون لتكوينهم الذاتي الأثر الكبير على سير عملية التفاوض وانتزاع المكاسب السياسية، وشائع عند عديد المراقبين أن الرباعي يمثلون إطارا سياسيا ضيقا وينافحون عن رؤية أطراف سياسية نافذة وليس مجموع عام سياسي اجتماعي مترابط ومتجانس، وبالتالي فإن الأهلية السياسية والقانونية تأخذ حيزا أقل، ليتسع المجال للوثوقية والولاء.
أمام مجموعة 4+4 مهمتين رئيسيتين: أولهما إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، والثانية الاتفاق على التعديلات التي ينبغي أن تجرى على قوانين الانتخابات، وقد أعلنت البعثة عن نجاح الاجتماع الأول للمجموعة، وذلك بتوافقهما بإسناذ صلاحية اختيار رئيس المفوضية العليا للانتخابات إلى النائب العام بحيث يرشح شخصية من القضاء تتوافر فيها الصفات المطلوبة، وتم ترشيح بقية أعضاء مجلس المفوضية من المجلسين، النواب والأعلى للدولة.
التحدي الكبير أمام مجموعة 4+4 هو الملف الثاني، قوانين الانتخابات، ومعلوم أن هذا الملف تعثر لسنوات للخلاف بين المجلسين حول مسألتين أساسيتين: ترشح العسكريين وحملة الجنسيات الأجنبية للانتخابات، الرئاسية والبرلمانية.
هناك نقاط أخرى خلافية تضمنتها قوانين الانتخابات التي أعلن مجلس النواب عن اعتمادها العام 2021م ورفضها المجلس الأعلى للدولة، مثل التزامن بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وإلغاء نتائج البرلمانية في حال تعثرت الرئاسية، وغيرها من النقاط، إلا إنها تدور حول المسألتين الأوليين.
المعطيات الراهنة لا تفيد بإمكان تحقق اختراق وتجاوز العقبة الكؤود، فالعسكريون هم القوة النافذة في الشرق، حفتر وأبنيه صدام وخالد، وهناك أدلة على تصدر صدام للمشهد السياسي والعسكري هناك، والخلافات التي كشفت عن وجهها بين الإخوة تقلل من إمكانية ترشيح مدني من بين الإشقاء لضامن استمرار حضور “العائلة” في المشهد في حال إجراء الانتخابات.
واجتماع مصراتة، وقبله مواقف قوى حاضرة في الغرب الليبي في طرابلس والزاوية، يكشف عن أن موقف جبهة الغرب ما يزال متماسك نسبيا برفض فتح المجال لعائلة حفتر للتصدر عبر المسار السياسي.
هذا علاوة عن الوضع المريح للقوى النافذة الذي تفرزه التفاعلات على المسارات المختلفة، السياسية والأمنية والاقتصادية، والذي تتقاطع فيه المصالح، وذلك بعد استبعاد خيار الاستحواذ على السلطة بقوة السلاح، والذي قلل من فرصه الموقف الإقليمي والدولي.
خطوة إدماج حكومة الوحدة والقيادة العامة في المسار التفاوضي تطور يكسر بعض الجمود السابق، ومؤشر ذلك نتائج الاجتماع الأول المتعلق بمجلس إدارة مفوضية الانتخابات، لكنه لا يشكل ضمانة لعملية تفاوضية تؤسس لانتقال ديمقراطي متكامل الشروط والأركان، ومن الممكن أن يرتهن التفاوض للنظرة الضيقة والمصلحة الخاصة للأطراف الحاضرة في المجموعة.
الإشكال في ملف قوانين الانتخابات ليس فنيا في حاجة فقط لخبرة قانونية لحله، إنه عنوان لنزاع له أبعاده السياسية والأمنية والاقتصادية ويوظف فيه التاريخ والجغرافيا والاجتماع الليبي بقوة، وبالتالي ينبغي أن تكون ألية التعامل معه منسجمة مع طبيعة النزاع ومحركاته والفواعل فيه.
_________
