محمود العرفي

تتسارع الأحداث في دولة مالي وما يهمنا فعلاً هو ما هي الخطوات التي اتخذها صناع القرار ورجال السياسة في ليبيا ووزارتي الخارجية اتجاه تداعيات الأحداث الجارية في مالي وهي الدولة ذات الأهمية الاستراتيجية في القارة الأفريقية وذات الأغلبية الساحقة المسلمة والتي تعتبر «توأماً استراتيجياً» لليبيا في منطقة الساحل والصحراء، والتي يرتبط أمن واستقرار الجنوب الليبي بشكل مباشر بالتطورات السياسية والأمنية فيها.

فكل اضطراب أمني في مالي يؤدي لتنشيط طرق التهريب القديمة الممتدة عبر النيجر وتشاد وصولاً لليبيا مما قد ينشط «داعش» والقاعدة في الجنوب الليبي بالإضافة إلى الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية.

كما أن أي صراع قد يلقي بظلاله على الاستثمارات الليبية بدولة مالي. فما هي الخطط التي وضعت لمعالجة الوضع والخطوات الدبلوماسية التي قامت بها خارجية حكومة الوحدة الوطنية لتفادي أي خسائر في استثمارات الدولة الليبية.

كل ما سبق لم يلفت عناية الأطراف المتحكمة في الخارجية الليبية أو الشؤون الأفريقية للاهتمام بما يحدث في مالي فعلياً وما أسبابه وتحليل مكوناته. ولماذا لم تعلم الخارجية الليبية مسبقاً أن هذه المواجهة قادمة لا محالة وأن اندلاع هذا الصراع سيدفع ليبيا دون غيرها فاتورة خسائره.

فمن هي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ولماذا نشطت في مالي هذا الوقت تحديداً ومع من ارتبط النظام السياسي في مالي اليوم عسكرياً وسياسياً ومن كان شريك مالي سابقاً ومن المستفيد من هذه الفوضى.

أدانت روسيا من خلال سفارتها ما حدث في مالي واعتبرت هذه الجماعات إرهابية ووصفت ما حدث «أعمال إجرامية» تستهدف تقويض الأمن والاستقرار.
كما أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين دعم روسيا لقوات المجلس العسكري المالي بل وأعلنت عن اشتباكها مع قوات روسية داعمة للمجلس العسكري.

فمن وراء هذه الجماعة التي تعد أهم فرع لتنظيم القاعدة وإلى أين ستنسحب وتنشط هذه إذا ما هزمت خلال هذه الجولة وما هو المكون القبلي الأساسي لها بزعيمها الطوارقي والقبائل المشتركة بين ليبيا ومالي.

هل نحن أمام مشهد سوري جديد في مالي ولماذا لم تتحرك أي مساع ليبية أو أفريقية جادة للتدخل ودعم الاستقرار في مالي وإنهاء حالة التشظي والصراع قبل أن ينفجر وبصورة أكثر خطورة. أم أن الخارجية اكتفت باعتماد سياسة التشديد على وحدة مالي.

التحذير من تمدد الإرهاب/ رفض التدخل الأجنبي!

إن الحرب الدولية بالوكالة هي ما نشاهده اليوم يقيناً في مالي، فروسيا تسعى إلى كسر العزلة الدولية المفروضة عليها منذ بداية الحرب الأوكرانية بمحاولة التمدد في أفريقيا من خلال الفيلق الأفريقي وخلق نوع من الضغط على الولايات المتحدة وهو الأمر الذي ترفضه الأخيرة وتسعى إلى تقويض هذا النفوذ ودحر التمدد الروسي وإجباره على النزيف في أفريقيا.

حيث تتبنى إدارة ترامب نهجاً يهدف إلى جعل الوجود الروسي في أفريقيا (عبر الفيلق الأفريقي) «مكلفاً للغاية» من الناحية المالية والبشرية وإشغال موسكو بـ«مستنقع أفريقي» يستنزف مواردها العسكرية واللوجستية، مما قد يدفع بوتين لإبداء مرونة أكبر في مفاوضات إنهاء الحرب الأوكرانية لخلق مكاسب سياسية أمام الجمهور الأميركي خصوصاً أن إدارة ترامب تقترب من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر.

فالفشل في تحقيق انتصارات دبلوماسية سريعة قد يُستخدم من قبل الديمقراطيين لاتهام الإدارة بالانعزالية أو الفوضى والسياسات الفاشلة والقرارات العبثية.

إن انعكاس الصراع الروسي الأمريكي في أفريقيا (وخاصة في مالي والساحل) على ليبيا والدول العربية الأفريقية يمثل تحولاً من الدبلوماسية الهادئة إلى المواجهة الجيوسياسية المكشوفة.

الدول العربية الأفريقية، وعلى رأسها ليبيا، لم تعد مجرد مراقب، بل أصبحت ساحة الصدام في هذه الحرب الباردة الجديدة.

إن استقرار هذه الدول يعتمد الآن على قدرتها على رفض «الاستقطاب الحاد» ومنع تحول أراضيها إلى قواعد لوجستية للصراعات العابرة للحدود، فالتكلفة ستكون باهظة في حال عدم اتخاذ موقف سياسي مدروس وصلب. قد تنشط الجماعات الإرهابية من جديد في الجنوب الليبي ونشهد حالات نزوح أفريقية غير مسبوقة وهجرة غير شرعية بصورة أكبر.

إن ما يحدث اليوم يستدعي ما هو أكثر من تصريحات غير متبوعة بأفعال مدروسة وما يحدث اليوم في مالي سوف يسمع صداه في الجنوب الليبي قريباً، حيث إن الخطوات المتثاقلة والقرارات المتذبذبة والسياسات غير المتناسقة مع التحالفات الدولية الليبية لن تصنع الحدث ولن تذود عن تداعياته.

___________

مقالات مشابهة