أسامة علي

في الوقت الذي تواصل فيه بعثة الأمم المتحدة الدفع بخريطة الحل السياسي في ليبيا، عبر عقد جلسات “الحوار المهيكل“، مع دفاعها عن آلية “الطاولة المصغرة” باعتبارها جزءاً من مسارات خريطتها.
لم يعد الحديث عن تقاطع آلية “الطاولة المصغرة” مع المقاربة الأميركية التي قادها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، في كون شخصيات الطاولة الرئيسيين هم أنفسهم من يسّر بولس المفاوضات مباشرة بينهم، بل فيما أنتجته هذه المفاوضات من نتائج صارت تمثل دوائر من شأنها أن تخنق العملية السياسية وتوجهها نحو نتيجة مسبقة، يتبخر معها أمل إجراء الانتخابات الوطنية.
هذا التقاطع يجعل سؤال التأثير أكثر أهمية من سؤال النفي من قبل البعثة في تبنيها للمقاربة الأميركية من عدمه.
فالخطورة لا تكمن فقط في وجود مقاربة بولس بالتوازي، بقدر ما تتجلى في إعادتها لتشكيل حدود الفعل السياسي عبر نقل العملية السياسية من منطق التوافق إلى منطق الترتيبات التدريجية التي تُنتج وقائع يصعب التراجع عنها.
صحيح أن ما عُرف في الأوساط الليبية بـ“مبادرة بولس” لقي معارضة واسعة، لكن ما ليس صحيحاً هو القول إن هذه المعارضة أجهضتها.
فالمسار التراكمي الذي اشتغل عليه بولس منذ البداية صار من الصعب التراجع عنه، وتحديداً في الملفين الاقتصادي والعسكري في آن واحد، من خلال الدفع نحو أول ميزانية موحدة.
حُصر الاتفاق فيها بين سلطتي حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر في العاشر من إبريل/نيسان الماضي، بالتوازي مع ترتيبات تعاون عسكري موحد في برنامج “فلينتلوك 2026″ الذي نظمته قوات “أفريكوم” في سرت منتصف الشهر نفسه، حصره هو الآخر في قوتي السلطتين، والنتيجة هي حالة جديدة من التشابك بينهما.
هذا التشابك لم يُنتج سلطة مشتركة مكتملة، لكنه أعاد توجيه المسار نحو النتيجة ذاتها، إذ إن ما أفرزه المساران الاقتصادي والعسكري بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وقيادة حفتر صار واقعاً لا يمكن التراجع عنه بدون كلفة عالية.
فالعودة عما تحقق في المسار العسكري تعني تعزيز الانقسام العسكري وإمكانية عودة الاحتراب في أي وقت، وفي الجانب الاقتصادي تعني عودة الفوضى الاقتصادية وانهيار الدينار وضياع فرصة ضبط إدارة موارد النفط.
وبمعنى أوضح فإن ما رسمه مسعد بولس لنقل مركز التوافق السياسي من مسار مؤسسي إلى تفاهمات محصورة بين الطرفين، مكّنهما من امتلاك أوراق القوة لفرض وجودهما بشكل أساسي في أي تسوية سياسية للحل.
___________
