السنوسي بسيكري 

أي سياسات نقدية صحيحة وفعالة لا يمكن أن تحقق المستهدف منها بشكل منفرد ومنفصل عن السياسات الأخرى، كالسياسة المالية والتجارية وسياسات الاستخدام.

منذ نحو شهر والتصريحات الرسمية، والإجراءات التنفيذية المصاحبة، تدور حول تصحيح الوضع الاقتصادي، المالي والنقدي في ليبيا، غير أن النتائج أقل من سقف الوعود التي أطلقها كل من رئيس الحكومة ومحافظ مصرف ليبيا المركزي، فأين يكمن الخلل؟

المصرف المركزي شرع في تنفيذ السياسات والإجراءات التي أعلن عنها ضمن خطة تم اعتمادها العام الماضي، تهدف إلى التحكم في سعر صرف الدينار وإنهاء السوق الموازي للعملات الأجنبية ومعالجة مشكلة النقص في السيولة.

وتضمنت سياساته وإجراءاته ضبط قنوات توزيع الدولار واستحداث قنوات جديدة لتداوله وهي شركات الصرافة، واستهدف المصرف المركزي سعر صرف 6.9 دينار للدولار في السوق الموازي كنتيجة للخطة التي تم عرضها على صندق النقد الدولي في اجتماعات تونس الشهر الماضي، ووعد بضخ مبالغ كبيرة من العملات الأجنبية شهريا لجسر الهوة بين السعر الرسمي للعملات الأجنبية والسعر في السوق الموازي.

بل إن المركزي الليبي استنفر الجهاز المصرفي بتمديد ساعات العمل اليومية وزيادة عدد منافذ الصرف وتكليف صرافين إضافيين لتقليص فترة تنفيذ العمليات المالية، وضمان سلامة المنظومات المعنية بإدارة عملية تداول النقد الأجنبي.

سعر صرف الدولار تراجع بنسبة كبيرة بعد تصريحات المحافظ والشروع في توسيع تداول العملات الأجنبية، نقدا، أو عبر بطاقات الأغراض الشخصية وغيرها، إلا أنه عاد للارتفاع خلال الأسبوع الماضي ليصل إلى سقف 8 دينار للدولار تقريبا.

مطلب ضبط الإنفاق وتوحيد قنواته، الذي اعتبره المصرف المركزي شرطا أساسيا لتحقيق فعالية سياساته وإجراءاته النقدية، تعهد رئيس الحكومة، والأطراف المعنية بذلك، بضمانه بعد الاتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة برعاية المصرف المركزي على توحيد الإنفاق التنموي.

غير أن هذه التعهدات لم تدفع الدولار باتجاه السقف المستهدف من قبل المصرف المركزي ولم تنعكس في شكل تراجع في أسعار السلع والخدمات، التي باتت ترهق كاهل المواطن بشكل كبير.

وإذا أضفت إلى ما سبق من تطورات مالية ونقدية، والذي من المفترض أن أثارها إيجابية، ارتفاع أسعار النفط كنتيجة للأزمة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، فإن بلوغ الهدف الذي أعلن عنه المصرف المركزي ليس عسيرا.

البعض قد يعتقد أن المسألة لا تعدوا أن تكون مسألة وقت، بمعنى أن الأثر الإيجابي للخطة مضمون التحقق وأن المصرف المركزي يتقدم بخطى ثابتة باتجاه تحقيق أهداف السياسات التي اعتمدها، إلا أن انتكاسة سعر صرف الدولار، وعودته لحالة الاضطراب ترسل رسالة في الاتجاه المعاكس، وهذا يتطلب وقفة للتقييم.

المركزي اجتهد في تطوير النظام المسؤول عن تداول النقدي الأجنبي، وعدم قصره فقط على المصارف التجارية، واتجه إلى إغراق السوق بالعملات الأجنبية وموازنة المعروض من العملات بحجم الطلب عليها، إلا أنه لم يطور ويفعل نظام رقابة دقيق وصارم يمنع التحايل على سياسات المركزي وإجراءاته الجديدة، هذا علاوة على ضعف أجهزة الرقابة العامة التي تتحمل قدرا مهما من المسؤولية في هذا الصدد.

إن أكبر الانعكاسات السلبية للبيئة السياسية والأمنية والاقتصادية المختلة اليوم هو تفريغ الإصلاحات المختلفة من محتواها، والإصلاحات المالية والنقدية ليست استثناء من هذا الوضع.

هناك تحديان رئيسيان أمام خطة المصرف المركزي:

الأول هو التحكم في منظومة التوزيع، وهي المصارف وشركات الصرافة، لضمان انسابية طبيعية للعملات الأجنبية وفق المخطط له من قبل المصرف المركزي.

والثاني وهو مواجهة الشبكات غير الرسمية التي تؤثر على عملية إدارة النقد الأجنبي من خلال الاحتكار والمضاربة، وهذه شبكات معقدة وتتداخل فيها مصالح أطراف رسمية وغير رسمية كشفت عن بعض ملامحها وتقاطعاتها التقارير الدولية، كتقرير منظمة سنتري وتقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة.

من جهة ثانية، فإن الأخبار الجيدة حول الاتفاق على ميزانية موحدة وتوحيد الإنفاق التنموي لا تعني أن الوضع المالي في اتجاهه إلى استقرار وضبط، فالأرقام التي تحدث عنها رئيس حكومة الوحدة والتي تمثل بنود الميزانية العامة، لا يمكن التأكد من أنها الحجم الحقيقي للنفقات.

فقد أشار ادبيبة إلى أن إجمالي الإنفاق يبلغ نحو 163 مليار دينار، فيما تشير بعض المصادر أن ما اتفق عليه قد يصل إلى نحو 200 مليار دينار، وتجارب السنوات الماضية تؤكد أن سقف الإنفاق قد يتجاوز حتى الرقم المسرب، وهذا سيشكل ضغطا على خطة المصرف المركزي وقد يعرقل تحقيق مستهدفاتها.

نحن نثمن جهود ومساعي المصرف المركزي الهادفة إلى مواجهة حالة الانفلات والاضطراب في سعر صرف الدينار والمستوى العام للأسعار، مع التأكيد أن السياسة النقدية، بأدواتها وقنواتها وضوابطها، لا يمكن أن تعالج الوضع الاقتصادي الذي يقع تحت ضغوط كبيرة من جهات عدة بشكل مستقل، وأن أي سياسات نقدية صحيحة وفعالة لا يمكن أن تحقق المستهدف منها بشكل منفرد ومنفصل عن السياسات الأخرى، كالسياسة المالية والتجارية وسياسات الاستخدام الخ.

كما أن الحاضنة الأساسية لمجموع السياسات الاقتصادية هي البيئة السياسية والامنية المستقرة، والتي من أبرز مظاهر استقرارها المؤسساتية وسيادة القانون، وهو ما يغيب في الحالة الليبية.

___________

مقالات مشابهة