أحمد الخميسي

تنهب شركات ليبية احتياطي النقد الأجنبي عبر متاهة مالية، تُهرب من خلالها ملايين الدولارات إلى الخارج دون استيراد الاحتياجات التي نالت بموجبها الاعتمادات، ومن ثم تعيد ضخ بعضها في السوق الموازية تربّحاً من فارق سعر الصرف.

– “ثروة البلاد تُهرَّب إلى الخارج“… بمرارة غاضبة نطق سهيل أبو شيحة الجملة السابقة، معتمداً على وقائع رصدها أثناء عمله وكيلاً لوزارة الاقتصاد والتجارة في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، موضحاً لمعدّ التحقيق الذي التقاه مطلع العام الجاري، أن نتائج اللجنة المكلفة بمراجعة وضبط الاعتمادات المستندية (أداة مصرفية لتمويل الاستيراد)، توصلت إلى حصول 85 شركة خلال العام الماضي على 130 مليون دولار أميركي، ثمن توريد زيوت غذائية، من دون أن تُظهر بيانات الموانئ أو سجلات التجارة الخارجية دخول شحنات مقابلة لهذه المبالغ الهائلة.

بالتأكيد لم يكن أبو شيحة يتوقع ما جرى في غضون أشهر قليلة، إذ جرى تكليفه في الخامس من إبريل/نيسان الماضي، وزيراً لحقيبة الاقتصاد والتجارة، وصار من بين مسؤولياته الأساسية مواجهة هذا النمط من التلاعب المؤدي إلى عمليات تهريب الأموال عبر شبكات محلية، ويتضمن مخاطر غسل الأموال وتحريكها عبر عمليات تجارية صورية.

من هنا تفقد ليبيا رصيدها من الاحتياطات الأجنبية على نحوٍ متسارع، وهو ما يفسره وزير المالية الأسبق فرج بومطاري لـالعربي الجديدقائلاً: “يفتح البنك المحلي اعتماداً مستندياً لصالح مستفيد، ثم يُخطر مصرفَ ليبيا المركزي لتوفير العملة الصعبة اللازمة لتمويل الصفقة.

بعد ذلك تُحوَّل الأموال بناءً على مستندات مثل الفواتير التجارية وبوليصات الشحن وشهادات المنشأ ووثائق التأمين، وبذلك يخرج الدولار بشكل قانوني ظاهرياً، بينما قد تكون العملية في حقيقتها استيراداً وهمياً، أو تضخيماً لقيمة الفواتير، وفي بعض الأحيان رصدنا شحن سلع قيمتها تقل عن المصرح بها.

ولا يتوقف الهدر هنا: “فبعد تحويل الأموال من ليبيا تُنقل بين شركات وسيطة وحسابات متعددة لإخفاء مصدرها الحقيقي، قبل أن يعود جزء منها إلى السوق المحلية عبر شبكات صرافة أو حوالات غير رسمية، للاستفادة من فارق سعر الصرف“.

97 شركة نهبت 161 مليون دولار

بعد عام 2011 وهنت الرقابة المصرفية، ما خلق مسار تهريب العملة الصعبة إلى الخارج عبر الاعتمادات المستندية. يتضح ذلك عبر ما توثقه بيانات ديوان المحاسبة الليبي (أعلى سلطة رقابية في البلاد) إذ حظر تنفيذ اعتمادات مستندية لصالح 13 شركة غير مقيدة في السجل التجاري في عام 2015، بعدما ثبت التلاعب في المستندات ما أدى إلى تحويل عملات أجنبية من بنوك تجارية إلى الخارج بقيمة 50 مليوناً و724 ألف دولار (بسعر صرف عام 2015)، دون أن تُستخدم فعلياً في عمليات استيراد، ليجري تداول جزء من الأموال هذه في السوق الموازية للعملة الأجنبية.

منذ ذلك الوقت حتّى نهاية عام 2025، رصد معد التحقيق من خلال بيانات وزارة الاقتصاد وصفحة مكتب النائب العام على فيسبوك، حصول 97 شركة تجارية على أرصدة واعتمادات من مصرف ليبيا المركزي دون وصول شحنات إلى البلاد أو توريد بضائع على خلاف الحقيقة؛ فأسهموا، بفعلهم هذا، في تمكين أرباب الشركات من الانتفاع بـ 161 مليوناً و361 ألف دولار؛ كما حصّلوا عائد الاتجار بالنقد الأجنبي لدى السوق الموازي.

هكذا ولأن البلاد تعاني غياب الحسيب والرقيب، تفاقمت الظاهرة، وفي منتصف يناير/كانون الثاني 2026، ضبطت مصلحة الجمارك الليبية التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، 11 شركة استولت على 54.5 مليون دولار عبر اعتمادات مستندية دون توريد بضائع، وفق ما يقوله لـالعربي الجديد، العقيد فهمي الماقوري، المتحدث الرسمي باسم مصلحة الجمارك.

موضحاً أنّ الشركات مُنحت اعتمادات مستندية لغرض جلب السلع والبضائع إلى ليبيا بسعر صرف مصرف ليبيا المركزي. لكنها لم تورد أي سلع أو بضائع إلى البلاد، رغم استكمال إجراءات الاعتمادات وتحويل القيم المالية من المصرف الوسيط إلى المستفيدين في الخارج، الأمر الذي يُعد مخالفة جسيمة تمسّ المال العام والاقتصاد الوطني.

بناءً على ما حدث من مخالفات في الاعتمادات المستندية الصادرة لبعض الجهات الاعتبارية الخاصة والتي شابتها شبهات بجرائم فساد مالي وإداري وغسل أموال، يتوسع مكتب النائب العام في طرابلس في التحقيق، ولذا وجه مذكرة إلى مصرف الجمهورية (حكومي) في 27 إبريل الماضي، تحمل رقم إشاري (7-1-8865)، مطالباً إدارته بموافاته بملفات الاعتمادات المستندية الصادرة خلال سنة العام الماضي لـ320 شركة تجارية.

هنا يؤكد النائب العام، الصديق الصور لـالعربي الجديدوجود فساد واسع النطاق في منظومة الاعتمادات المستندية وتحويل الدولار إلى الخارج، مشيراً إلى رصد حالات لشركات أُسست خلال فترات قصيرة، وتتحصل على أموال ضخمة بالعملة الصعبة من مصرف ليبيا المركزي لتمويل استيراد سلع، ثم تختفي بطريقة أو بأخرى، دون أن يقابل ذلك نشاط تجاري حقيقي أو أثر مالي واضح داخل البلاد.

دولة الاعتمادات

هل يعقل أنّ شركة لا يتجاوز رأس مالها 15 ألف دينار (3186 دولاراً)، تحصل على اعتمادات مستندية تعادل نحو 10 ملايين دينار (مليونان و124 ألفاً و322 دولاراً)، إنها غرائب ليبية، يقول النائب العام الصور، مؤشراً إلى ثقب أسود مالي يبتلع كل التساؤلات حول مدى جدية آليات التقييم، والضمانات، ومسؤولية الجهات التي منحت هذه التسهيلات“.

تلك المخالفات المتعلقة بفتح اعتمادات مستندية لشركات تحصل على عقود توريد، رغم ضعف مركزها المالي، يؤكدها تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2024، موضحاً أن الأصول الثابتة لـ 13 شركة مختصة في طباعة وتوريد الكتاب المدرسي، تتراوح من صفر إلى أقل من 3 آلاف دينار (636 دولاراً) ناهيك عن عدم احتفاظها بالنقد المناسب لتغطية قيمة التوريدات، وبالتالي فإنّ هذه العقود من الباطن، تمت بالمخالفة للمادة 97 من لائحة العقود الإدارية التي تنصّ على عدم جواز إبرام هكذا عقود“.

ويتطابق ما سبق الإشارة إليه، مع اعتماد مستندي حصلت عليه شركة البشير للطباعة والنشر التي مُنحت ترخيصاً في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2025، ولمدة عشر سنوات، وفق وثيقة الترخيص رقم (5405010202549129)، لاستيراد كتب مدرسية لعام 2025 /2026 بقيمة 23 مليون دولار، رغم أنّ رأس مال الشركة ضعيف وبياناتها لا تتوافق مع شروط منح الاعتمادات المستندية، وهي غير مؤهلة مالياً لتنفيذ عقود الكتاب المدرسي، بحسب ما جاء في تقرير داخلي لديوان المحاسبة بشأن تأخر وصول الكتاب المدرسي، صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

لكن لماذا يتكرّر حصول الشركات على اعتمادات مستندية بشكل مخالف للوائح؟ هنا يتدخل المستشار السابق بمصرف ليبيا المركزي محمد أبوسنينة مجيباً عن سؤال العربي الجديد، من خلال استعراض آليات اتخاذ القرار، إذ يجرى العمل ببعض الإجراءات التي كانت موقوفة قبل عام 2011 لمخاطرها، ومنها السماح للمصارف التجارية بموجب المنشور رقم (2) لسنة 2024 بفتح اعتماد مستندي على قوة اعتماد مستندي آخر، أي استخدام اعتماد قائم كضمان أو أساس لإصدار اعتماد جديد.

ويعني ذلك وجود اعتماد مستندي أول يُصدر لصالح مستفيد، وهو في الغالب تاجر وسيط لا يملك البضاعة فعلياً، وإنما يعتمد على مورد آخر، ثم يُستخدم هذا الاعتماد كضمان لفتح اعتماد مستندي ثانٍ لصالح المورد الحقيقي، حسب أبوسنينة، معتبراً أن استخدام هذا النوع من التصرفات المالية غير ملائم للمرحلة الحالية، في ظل هشاشة البيئة الرقابية واستمرار الاختلالات في المنظومة الرقابية.

من المسؤول؟

في السادس من مايو/أيار الجاري حققت نيابة مكافحة الفساد بمحكمة استئناف طرابلس، في قضية تحصيل منافع مادية غير مشروعة ناتجة عن عمليات مصرفية أنْجزت داخل فرع مصرف الوحدة (ملكية مختلطة بين القطاعَين العام والخاص) بمنطقة سوق الثلاثاء، وتوصلت إلى أن مسؤول الاعتمادات المستندية بالمصرف نفذ عملية بقيمة 2.8 مليون دولار أميركي، دون أن يقابل ذلك إيداع القيم المالية المقابلة بالدينار الليبي (إجراء مصرفي أساسي، يعني ضرورة وجود رصيد نقدي كافٍ بالدينار الليبي في حساب العميل لدى المصرف، يساوي قيمة المبلغ بالعملة الأجنبية المطلوب تحويله).

ولذلك أمرت النيابة العامة بحبس المخول بتسيير شؤون الاعتمادات المستندية وقت معاملة رسم التحصيل، كما أمرت بحبس مفوض الشركة المستفيدة من المنافع المادية المتحصلة من الجريمة، وفق ما أوردته صفحة مكتب النائب العام على فيسبوك“.

الواقعة تلك وما سبق الإشارة إليه تؤكّد تورط أطراف من داخل القطاع المصرفي والجمارك في تهريب الأموال إلى الخارج، بحسب تصور النائب العام، الذي يقول إن التحقيقات التي تجريها النيابة العامة في طرابلس، تتبع معاملات مرتبطة بمصارف معروفة، مثل مصرف اليقين (خاص)، ومصرف الصحاري (ملكية مختلطة)، ومصرف الواحة (ملكية مختلطة)، مشدداً على أنّ ذكر أسماء هذه المصارف يأتي في إطار التحقيق لا الإدانة، إلى حين استكمال الإجراءات القانونية.

ويعترف العقيد فهمي الماقوري، المتحدث الرسمي باسم مصلحة الجمارك، بأن المتابعات والإجراءات الرقابية التي قامت بها المصلحة خلال الفترة الماضية كشفت العديد من المخالفات والتجاوزات المرتبطة بملف الاعتمادات المستندية، من بينها حالات تزوير لرسائل صادرة باسم بعض المديريات الجمركية، كانت تُقدَّم إلى المصارف المانحة للاعتمادات بغرض إثبات وصول البضائع وفق الفواتير المقدمة من الشركات المستفيدة من الاعتماد، في حين أن الواقع كان يخالف ذلك في بعض الحالات.

باختصار كل ما سبق من أخطر الجرائم الاقتصادية التي تُهدّد الاستقرار المالي وتقتل شفافية النظام المصرفي الاستيلاء على المال العام، ورغم وضوح نصوص القوانين الليبية مثل رقم 2 لسنة 2005 بشأن تجريم التعامل في الأموال غير المشروعة وإخفاء مصادرها، لكن إثبات عنصر القصد الجنائي يمثل صعوبة لدى الممارسة العمليةكما يختتم الخبير القانوني الطاهر رضوان.

___________

مقالات مشابهة