صلاح الهوني

النفق الليبي طويل لكنه ليس بلا نهاية الموارد موجودة والطاقة الشعبية حاضرة والضغط الإقليمي متصاعد ما ينقص هو إرادة سياسية.
في الليلة ذاتها التي أضرمت فيها جماهير نادي الاتحاد الغاضبة على نتيجة مباراة كرة قدم محلية النيران في جزء من مبنى حكومي محولة احتجاجاً رياضياً إلى فعل سياسي مباشر، شهدت العاصمة طرابلس انقطاعاً واسعاً للكهرباء، وهو أمر متكرر في ليبيا بسبب ضعف البنية التحتية والانقسام المؤسساتي، لكنه أضفى على المشهد دلالة رمزية قوية.
هذا التزامن بين الاحتجاجات الرياضية–السياسية وبين أزمة الكهرباء المزمنة جعل كثيراً من المراقبين يعتبرونه استعارة مثالية لوضع ليبيا اليوم: بلد يعيش في حالة احتقان سياسي واجتماعي، بينما مؤسساته عاجزة عن توفير أبسط الخدمات الأساسية.
خمسة عشر عاماً مرّت على ثورة فبراير. في تلك السنوات الخمس عشرة، جرّبت ليبيا حكومات لا يكاد المرء يحصيها، وتوافقات تبخّرت قبل أن تجفّ الأحبار عليها، وانتخابات لم تُنتج استقراراً، وحروباً لم تُنتج منتصراً.
والسؤال الذي طالما بدا مؤلماً للطرح: ليبيا إلى أين؟ بات سؤال الشارع نفسه، سؤال الشاب العاطل عن العمل وصاحب المولّد الذي يبيع الكهرباء بالساعة وأسرة المهاجر الذي غادر ولم يعد.
لفهم المأزق الليبي لا يكفي وصف الانقسام، لا بد من فهم بنيته. ليبيا لا تعاني من مجرد خلاف سياسي بين شرق وغرب، بل تعاني من تآكل متراكم في فكرة الدولة ذاتها. حين يُحكِم الولاء المناطقي والقبلي قبضته على مؤسسات المفروض أنها وطنية، وحين تتحول الميليشيات من ظاهرة طارئة إلى بنية راسخة لها مصالحها الاقتصادية ورواتبها الحكومية، فإن التسوية السياسية وحدها – مهما كانت براقة الصياغة – ستبقى هشة ما لم تُعالج هذه الطبقات الأعمق.
الانقسام الأفقي بين حكومة الوحدة في طرابلس وحكومة الاستقرار في بنغازي هو الأكثر ظهوراً في التغطيات الدولية. لكن الأخطر منه هو الانقسام العمودي: شبكة متشابكة من الميليشيات ذات الولاءات المتحركة، وشخصيات نافذة تتحالف وتتخاصم وفق حسابات آنية لا رؤية استراتيجية، ومؤسسات رسمية تحمل الأختام لكن لا تملك السلطة الفعلية.
في هذا المشهد، قرار وزير بتوقيع عقد نفطي يمكن أن يُعطَّل بميليشيا تتحكم في الحقل، وقرار رئيس وزراء بتنفيذ حكم قضائي يمكن أن يُجمَّد إذا كان صاحب القرار لا يملك القوة التنفيذية لفرضه.
في قلب الأزمة الليبية يكمن تناقض مؤلم: البلد الذي يمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا لا يستطيع توفير كهرباء منتظمة لمواطنيه. هذا ليس فشلاً في الإمكانات، بل فشل في الحوكمة، وهو فشل يمتد إلى ما قبل 2011 ويتجذر بعدها.
إيرادات النفط الليبية تتدفق من المؤسسة الوطنية للنفط، لكن مسار توزيعها ووجهاتها يظل مثار جدل واتهامات متبادلة بين الشرق والغرب.
ما تؤكده التقارير الدولية الرصينة هو أن جزءاً من هذه الإيرادات يذهب إلى تمويل ميليشيات تقف في وجه الحل السياسي الذي من المفترض أن إيرادات النفط ذاتها ستُموّل بناءه.
هذه الحلقة المفرغة – نفط يُنتج ثروة، تُغذي فوضى، تُعيق تنمية، تُفاقم الفقر الذي كانت الثروة ستعالجه – هي الأزمة البنيوية بامتيازها.
غير أن النفط في الوقت ذاته هو الأصل الوحيد الذي يمكن أن يُحوّل الحسابات السياسية. حين يُدرك الأطراف المتنافسون أن الفوضى المستمرة تُقلّص الإنتاج وتُخيف المستثمرين وتُضيّق الرقعة التي يتنافسون على تقاسمها، قد يجدون في إدارة مشتركة للموارد حافزاً للتوافق أقوى من أي ضغط أممي.
الاقتصاد يُحرك سياسة حين تفشل المبادئ.
ليبيا الدولة الأكثر تعقيداً في معادلة التدخلات الخارجية بالمنطقة. في الوقت الذي تدفع فيه الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي باتجاه حل سياسي شامل، تواصل قوى إقليمية ودولية لعبها على رقعة الشطرنج الليبية بحسابات تتعارض أحياناً مع الحل ذاته الذي تُعلن دعمه.
دول الجوار المباشر – تونس والجزائر ومصر – تملك دوافع مختلفة لكنها تتقاطع في رغبة واحدة: ألا تتحول ليبيا إلى حاضنة دائمة للفوضى التي تصدّرها نحو حدودها. هذا الهاجس المشترك يمكن أن يكون رافعة لضغط إقليمي منسق أكثر مصداقية من الضغط الأممي الذي يُدار من جنيف بعيداً عن تفاصيل المشهد.
أما القوى الكبرى – وعلى رأسها روسيا وتركيا وبعض الدول الأوروبية – فوجودها في المعادلة الليبية لا يزال عاملاً مُعقِّداً.
حين تُوظَّف القواعد العسكرية وصفقات الأسلحة وعقود النفط أوراقاً في تنافس الكبار، يجد الليبيون أنفسهم أمام مفاوضات يشاركون فيها اسمياً بينما تُحدد أطرافها جهات أخرى في غرف بعيدة.
الأمانة التحليلية تُلزم بعرض ثلاثة مسارات للمرحلة المقبلة، لا مسار واحد:
المسار الأول، والأكثر ترجيحاً في الأمد القصير بين 2026 و2027، هو استمرار الوضع الراهن بكل ثقله: حوارات متقطعة بين الشرق والغرب تُنتج وثائق لا تُطبَّق، وضغوط شعبية متزايدة لإجراء انتخابات تعثر عليها عقبات دستورية وتقنية، وأمن هش يُديره توازن قلق بين قوى لا تريد الحرب الشاملة لكنها لا تريد السلام الكامل أيضاً. هذا ليس انهياراً – لكنه ليس بناءً.
المسار الثاني، المحتمل في الأمد المتوسط بين 2027 و2030، هو التوصل إلى تسوية سياسية برعاية الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي تُفضي إلى حكومة وحدة وطنية مؤقتة تُدير الإيرادات النفطية بصورة مشتركة. هذا السيناريو ليس مثالياً – سيكون مثل كل التسويات الليبية السابقة صعب التطبيق ومثيراً للجدل – لكنه يفتح نافذة لتحسين تدريجي في الخدمات وبناء تدريجي للثقة الشعبية التي يحتاجها أي مسار انتخابي.
المسار الثالث، وهو الأبعد زمناً والأكثر أهمية على المدى البعيد ما بعد 2030، هو إمّا انتقال حقيقي نحو انتخابات تُنتج شرعية شعبية وتوحيداً مؤسسياً يجعل من ليبيا لاعباً إقليمياً في سوق الطاقة ومحوراً لإدارة ملفات الهجرة وأمن الساحل – وإمّا استمرار في حالة “الدولة الهشّة” حيث تتكيف المؤسسات مع الفوضى ويتكيف المواطنون مع غياب الدولة.
الفارق بين المسارين لن يُحدده الدعم الخارجي – بل إرادة الفاعلين الليبيين أنفسهم.
العودة إلى مشهد طرابلس في تلك الليلة الصاخبة تكشف عن شيء مهم لا يجب تجاهله في غمرة التشاؤم المشروع: الغضب الشعبي ليس سلبياً بطبيعته. هو يعني أن الليبيين لم يفقدوا الاهتمام بدولتهم، ولم يستسلموا للإحباط استسلاماً تاماً.
المواطن الذي يخرج غاضباً لأن قرار حكمٍ في مباراة بدا له مشبوهاً، هو في العمق مواطن يطالب بعدالة وشفافية وحوكمة.
هذا الغضب يمكن أن يكون وقوداً للتغيير كما يمكن أن يكون فتيلاً للفوضى. والفارق بين المسارين لا يكمن في حجم الغضب – بل في وجود أو غياب مؤسسات قادرة على استيعابه وتحويله إلى مطالب سياسية قابلة للتفاوض.
النفق الليبي طويل، لكنه ليس بلا نهاية. الموارد موجودة، والطاقة الشعبية حاضرة، والضغط الإقليمي متصاعد. ما ينقص هو إرادة سياسية داخلية تختار المؤسسة على الميليشيا، والشراكة على الاستئثار، والدولة على النفوذ.
حين يتوفر ذلك – وهو شرط ليس يسيراً لكنه ليس مستحيلاً – يصبح السؤال “ليبيا إلى أين؟” له إجابة مختلفة تماماً عما يُجيب عنه المشهد اليوم.
__________
